لا أقصد بالفكر السلفي (السلفية) بل ما يتجاوزها ليشمل كل فكر ماضوي:

1- يرى في الديمقراطية بضاعة غربية فاسدة لا تتفق والإسلام، كونه يقوم على مبدأ "الحاكمية" لله تعالى وحده: "إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ"، في حين "الديمقراطية" تقوم على مبدأ "الشعب هو مصدر السلطات كلها"، فتجعل حاكمية البشر بديلاً عن حاكمية الله.

Ad

2- يصف النظام الديمقراطي بأنه حكم "الرعاع" و"الدهماء" و"الغوغاء" و"الأغلبية العددية" التي تفتقد الرشد وتنساق لأهوائها وميولها وأمزجتها على حساب المصالح العامة للدولة والمجتمع، هؤلاء الذين وصفهم القرآن بالضلال والجهل "وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ"، "وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"، وحذر رسوله من اتباعهم "وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ"، في حين "الشورى الإسلامية" هي حكم النخبة والصفوة وأهل الذكر والخبرة والعلم والاختصاص، أهل الحكمة والرشد والبصيرة الواعية لما فيه مصالح الدولة والمجتمع.

3- يقبل النظام الديمقراطي من حيث المبدأ، ولا يرى تعارضاً بينه وبين جوهر الإسلام في أن "الأمة مصدر السلطات"، ويحترم "التعددية السياسية" والمعارضة الحزبية، وينادي بـ"تداول السلطة سلمياً"، ويحترم الحقوق السياسية للأقليات الدينية والإثنية وللمرأة عدا "المناصب القيادية والرئاسية" فيستثني "المرأة" لحديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، ويستبعد "الأقليات الدينية" للآية: "وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً"، كما يقصي شرائح مجتمعية واسعة مراعاة لمواريث قبلية.

4- يتبنى الدعوة لإحياء نظام "الخلافة الإسلامية" التاريخية أسلوباً للحكم في المجتمعات الإسلامية المعاصرة بناء على اعتقاد ديني بأنه نظام فرضه الإسلام وطبقه المسلمون عبر التاريخ الإسلامي إلى أن أسقطه أتاتورك عام 1924.

تفكيك مرتكزات الفكر السلفي

انتشار هذا الفكر في المجتمعات الخليجية والعربية يعد من أكبر معوقات انتشار ثقافة الديمقراطية، كونه فهماً واحداً يريد أن يوقف حركة الزمان والمكان، ويحكم حياة المسلمين بلون فكري واحد إلى يوم الدين، وهذا مناقض لطبيعة الحياة القائمة على التنوع الهائل، وقانون التغير، كما يأباه دين من أخص خصائصه حرية الاختلاف.

1- أما إيماننا بالحاكمية الإلهية المطلقة للكون والوجود والبشر والتشريع فلا يتعارض مع الإقرار بحاكمية البشر في إدارة وتدبير شؤونهم، من حيث اختيار حكامهم بالأسلوب الديمقراطي والانتخاب الحر والرضا، ومراقبتهم ومساءلتهم بالطرق الدستورية التي يتوافقون عليها، وكذلك حقهم في اختيار التشريعات المنظمة لشؤون مجتمعاتهم المتغيرة في إطار من الثوابت المتفق عليها.

2- وأما القول بأن "الشورى" التي أمرنا الله بها، تعني "حكم النخبة" وصفوة القوم دون العامة فاجتهاد فقهي مرتبط بسياقه الزمني لكنه ليس حكماً شرعياً مسنوداً بنص ديني، بل هو منقوض بالثوابت المعروفة من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في مشاوراته المستفيضة لكل صحابته، ومعارض بحق النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم.

3- وما قلناه آنفاً نقوله عن إقصاء "المرأة" و"الأقليات" عن المناصب القيادية والرئاسة، فهي في النهاية اجتهادات بشر وأفهام نجل أصحابها، لكنا نراها صالحة لزمنها، ولها مبرراتها الفقهية والاجتماعية والسياسية التي اقتضتها، أما الحديث "لن يفلح…" فما أراه يصح، الواقع العملي المعاصر خلافه، وأمامنا نماذج عديدة لحكم المرأة ناجحة في مجتمعات الشرق والغرب، والقرآن مدح حكم بلقيس قبل، وعلى فرض صحته، ففي التأويل سعة ورحمة، ولنا أن نأخذ بالتأويل المناسب لعصرنا، والخليج اليوم في عصر شعاره "حقوق الإنسان" ودوله ملتزمة بالمواثيق الحقوقية الدولية، وحاجتنا إلى تجميل صورتنا عالمياً ملحة، فلا مجال للإقصاء ولا التحفظات المنافية لجوهر وأهداف ما التزمنا به.

4- وأما "الخلافة" بالصورة التاريخية التي عرفت بها "أموياً وعباسياً وعثمانياً" فهي نظام ناسب عصر الإمبراطوريات استوحاه المسلمون من النظامين السابقين: الفارسية والرومانية، أصبح غير مناسب لعصرنا، عصر "الدولة الوطنية" كما يصادم "روح العصر" ومنطقه، ومواثيق "الحقوق" كلها، لأنه يصادر حريات الشعوب ويلغي إرادتها لحساب شخص فرد "الخليفة" الذي كان يهيمن على "بيت المال" ويجمع السلطات كلها، في غيبة عن المراقبة والمحاسبة العامة.

* كاتب قطري

د. عبدالحميد الأنصاري