في إحدى زياراتي للولايات المتحدة الأميركية، وبترتيب من الصديقة العزيزة الروائية ميرال الطحاوي، قدمت محاضرة في جامعة ولاية "أبالاتشيان-Appalachian State University"، وكم كانت دهشة الدكاترة والطلبة والحضور المثقف حين قلت: "نعم، يوجد فقراء في الكويت". ودار نقاش حول الموضوع، حيث إن دولة الكويت الخليجية النفطية الصغيرة، كان من المفترض أن تؤمن مردود بئر نفط لكل مواطن! وكانت الضجة أكبر مساء كررت الجملة في الخرطوم على منصة "جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي" في قاعة اكتظت بما يزيد على 750 حاضراً، وكان إلى جانبي الصديق العزيز الروائي واسيني الأعرج، وفي ذلك المساء تكلمت كيف أن الفقر نسبي، وأن الكويت، وكأي دولة في العالم، فيها المليونير، وفيها الغني، وفيها متوسط الحال، وفيها الكويتي الفقير الذي يعيش على مساعدة مالية من وزارة الشؤون!

الأمر عينه، أقوله الآن: مثلما تمرمرت والدتي يرحمها الله بتربيتي وأخوتي، وبوجود والدي يرحمه الله، فإن أمهات كويتيات صغيرات يتمرمرن اليوم مع اختلاف الظرف، وبمن فيهن ابنتي الدكتورة فرح! فالمرأة في كل مجتمعات الدنيا، هي امرأة! وهي ترزح تحت الثقافة الرجالية، والمجتمع الرجالي، والقوانين الرجالية، والأعراف الرجالية، فعليها أن تنتبه لجلستها ومشيتها وضحكتها ولبسها منذ طفولتها الباكرة! وعليها أن تساعد أمها وتكون شاطرة ومتفوّقة في دروسها، وعليها أن تُحسن الاختيار لشريك حياتها، حتى وهي بعيدة عن قرار اختياره! وعليها أن تحمل وتلد وتربي أبناءها! وعليها أن تستيقظ كل صباح، وترتب نفسها وتخرج للعمل مثلها مثل زوجها! وعليها أن تعود متعجلة، تغلي فيما بينها وبين نفسها، بوصفها المسؤول الأول عن البيت، وكل احتياجاته من مأكل ومشرب، إضافة إلى قيامها بكامل الاهتمام بأبنائها في البيت والمدرسة. مع التنويه إلى أن هذا لا يتغيّر أبداً بوجود زوج كريم ومتفهم للحياة الزوجية، وزوج آخر متعجرف، سواء في الكويت أو أميركا أو الصين أو البرازيل، يجلس أمام التلفزيون واضعاً ساقاً فوق الساق، يتابع باهتمام كبير مباراة لكرة القدم، ومؤكد أن نتيجة المباراة الحاسمة أهم مئة مرة من تدريس ابنته أو ولده!

Ad

قد يعترض قارئ قائلاً: هذه مبالغات! لكن أرض الواقع التي تحيط بي وأحيط بها، تقول بصراحة ووضوح إن ذلك لم يكن من باب المبالغة أبداً! فاللحظة التي نعيش تتطلب من الأم، والأم الصغيرة، التي جاءت إلى الزواج بأحلام وردية بائسة، تتطلب منها أن تكون على رأس الاهتمام بزوجها وأبنائها، وعلى رأس تأدية عملها الوظيفي خارج البيت، وعلى رأس متابعة حياتها الخاصة باهتماماتها وصديقاتها وما يجري حولها، في عالم يحضر بصوره وضجيجه بلمسة زر صغيرة على أي من مفاتيح التلفون الذكي، وعليها أيضاً أن تهتم بميزانية بيتها، وأن تساهم مالياً راضية أو مُجبرة بكل ما يمكنها! وأخيراً عليها، وضمن كل هذه الانشغالات، ألا تبتعد عن الثقافة والموسيقى وآخر الأفلام والموضة وآخر أخبار برامج الرياضة لتخسيس الجسم، وآخر الأزياء، وآخر صيحات الساعات والحقائب والأحذية، وأخبار زواجات وطلاقات نجوم السينما والتلفزيون، وعليها أيضاً، وهذا مهم جداً، ألا تغفل الاهتمام بجسدها لتبدو دائماً كعارضة أزياء أمام نظر الزوج الغالي! وبما يحتم عليها أن تجد وقتاً للاهتمام بجسدها، في الرياضة والأكل والتزين!

نعم، أقولها الآن، ثقافة المجتمع ثقافة رجالية بامتياز، وفي كل مكان بالدنيا، والفتاة إذا تزوّجت توجب عليها دفع ضريبة كبيرة، وإذا بقيت دون زواج فعليها دفع ضريبة كبيرة، وإذا طُلّقت فعليها دفع ضريبة كبيرة، وإذا ترمّلت فعليها دفع ضريبة كبيرة، وإذا عاشت فعليها دفع ضريبة كبيرة، وإذا ماتت فربما عليها أن تدفع ضريبة كبيرة أيضاً!

ابنتيّ فرح وفادية، مثلما دفعت أمي ضريبة باهظة لكونها امرأة، ومثلما أمكما دفعت وتدفع اليوم الضريبة الباهظة نفسها، فإن ديدن الحياة يقول إنكما ستدفعان الضريبة الأنثويّة نفسها! لذا لكنَّ مني كل محبتي وتقديري، ولكنَّ مني تفهّمي لمعايشتكنّ التعب اليومي الأنثوي، وأخيراً لتكن الجنّة تحت أقدامكن!

طالب الرفاعي