نشرت السلطات التونسية قوات الجيش في عدد من الولايات لحماية المقرات السيادية، بعد أن تجدّدت، مساء أمس الأول، لليلة الثالثة على التوالي، الاشتباكات التي قالت السلطات إن شباناً قاصرين يقفون وارءها والتي انطلقت بالتزامن مع الذكرى العاشرة للثورة التي أطاحت نظام الرئيس زين العابدين بن علي.

وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع الوطني محمد زكري، في بيان، إن "وحدات الجيش عزّزت وجودها بولايات سوسة والقصرين وبنزرت وسليانة لحماية المقرات السيادية في هذه الولايات الأربع، تحسباً لتطور الأوضاع جراء أعمال الشغب والتخريب".

Ad

ومساء الأحد، واجه المتظاهرون في عدة مدن قوات الأمن بالحجارة وبإشعال الإطارات، رغم الإغلاق المشدد للحد من انتشار فيروس "كورونا".

ولفتت تقارير إلى أن عددا من المدن بولايات مختلفة، من بينها تونس العاصمة، وسليانة، وبنزرت، والمنستير، ومنوبة، ونابل، والقيروان شهدت أعمال شغب وغلقا لطرقات رئيسية الى جانب محاولات اقتحام لمحلات تجارية كبرى ونهبها، ولمركز أمني ومستودع بلدي ومصارف وغيرها من الممتلكات الخاصة والعامة.

وشهدت منطقة حي التضامن بالعاصمة مواجهات بين قوات مكافحة الشغب وشبان وأطفال رشقوا الشرطة بالحجارة، بينما ردت قوات الأمن بإلقاء قنابل الغاز، واستعملت أيضاً خراطيم المياه.

وشهدت منطقة المنهيلة أيضا مواجهات، وأحرق المحتجون إطارات سيارات، وحاولوا إغلاق الطرق.

وامتدت رقعة الاحتجاجات بعد ذلك إلى مناطق عدة لتشمل المهدية وسوسة وقبلي وقفصة.

ودارت مواجهات عنيفة أيضاً بمدينة باجة في شمال البلاد منذ بداية حظر التجول فيها، كما اندلعت مواجهات عنيفة في بلدة سبيطلة وفي القصرين، حيث لاحقت قوات الأمن المحتجين وأطلقت قنابل الغاز.

وفي بلدة جلمة بمحافظة سيدي بوزيد، ألقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، لتفريق شبان أغلقوا الطرقات وأحرقوا إطارات سيارات، احتجاجا على التهميش والفقر والبطالة.

وبعد يوم من إعلان وزارة الداخلية اعتقال 242 تتراوح أعمارهم بين 14 و17 عاماً، بعدما عمدوا إلى تخريب ممتلكات، وحاولوا سرقة متاجر ومصارف، قال الناطق الرسمي باسم الوزارة خالد الحيوني، أمس، إنها أوقفت أكثر من 600 شخص أغلبهم من القُصّر.

وأضاف ان قوات الأمن والحرس الوطنيين تصدت بنجاعة وحرفية لمحاولات الاستيلاء والنهب لأملاك عامة وخاصة، مؤكّداً أنه تم إيقاف 630 شخصا معظمهم من القُصّر، معتبراً أن "الأحداث الليلية هي أعمال شغب ولا علاقة لها بالاحتجاج الذي يكون مبنيا على طلب واضح ومشروع وفي وضح النهار بالطرق القانونية".

وأظهر مقطع فيديو نُشر على الإنترنت شبانا يقودون سيارة شرطة.

كما أظهرت مقاطع مصوّرة شباناً، يحرقون الإطارات ويشتبكون مع عناصر الشرطة، وينهبون المتاجر.

ولا تزال المناطق الريفية في وسط وجنوب البلاد بؤرة التوتر لأعمال الشغب.

ولم تُعلن مطالب واضحة خلال الاحتجاجات العنيفة والتي وصفتها السلطات ووسائل إعلام محلية بأنها "أعمال شغب"، لكنها تأتي مع تنامي الغضب، بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بينما تركز النخبة السياسية اهتمامها على معركة النفوذ والصراع على السلطة.

من ناحيتها، اعتبرت رئيسة "الحزب الدستوري الحر" عبير موسي، أمس، أن هناك جهات خطّطت للاحتجاجات، داعية خلال مؤتمر صحافي عقدته في البرلمان، السلطات الأمنية إلى كشف الجهات التي تقف وراء تأجيج الاحتجاجات الليلية، وإلى نشر نتائج التحقيقات الأولية مع "الأطفال الذين تم اعتقالهم في أحداث الاحتجاجات".

واعتبرت أنه "بتحليل بسيط يثبت أن استعمال الأطفال وراءه نية نشر الفوضى، من دون اعتقال أي بأقل الأضرار".

وحمّلت رئيسة "الدستوري الحر"، المسؤولية لرئيس الحكومة هشام المشيشي، معتبرة أنه "أقال وزير الداخلية في وقت حساس".

وأضافت ان "تنظيم الإخوان يصدر تصريحات تحمّل ضمنياً المسؤولية للرئيس قيس سعيد، لفتح الطريق أمام الدعوات لعزله وتعويضه براشد الغنوشي حسب الدستور، للتخلص من الغنوشي ليستقيل من النهضة ويرأس البلاد".

وقالت موسي إن الأحداث الأخيرة قد سبقها تصريح للغنوشي يتضمن تهديدات: "إما الحوار الوطني أو الاقتتال".

وقال الكاتب والمحلل السياسي التونسي، فريد العليبي، أمس، إن "موجة التظاهرات مرشحة للتصاعد، لأنها تضم فئات كبيرة خصوصا الشباب"، مشيرا إلى أن "الصراع بين الرئاسات الثلاث، الحكومة والبرلمان من جهة، ورئاسة الجمهورية من جهة أخرى، سينكعس سلباً على الأوضاع في تونس".

وأوضح العليبي أن "السلطات الأمنية والإعلامية وبعض السياسيين يتعاملون مع التظاهرات على أنها تتعلق بشراذم ومجرمين ولصوص، كما تعامل الرئيس الراحل زين العابدين بن علي مع التظاهرات التي أطاحت بحكمه عام 2011".

وأكد أن "أعمال العنف خلال التظاهرات تركزت على مراكز مالية ومؤسسات كبرى ولم تتم مهاجمة أملاك المواطنين، وهذا يُؤشر على أن تلك المواجهات ليست أعمال شغب إنما احتجاجات شعبية يقوم بها شبان يعانون الحرمان من الدراسة والعمل الذي كان المطلب الرئيسي للانتفاضة التونسية"، معتبرا أن "ما تروّج له الحكومة في هذا السياق يختلف عن الواقع". وتمثل الاحتجاجات اختبارا حقيقيا لقدرة حكومة هشام المشيشي على التعامل معها، بينما يشهد الوضع توترا كبيرا بين الفرقاء السياسيين.