بعد مرور عشر سنوات على إقدام بائع خضار شاب على إحراق نفسه واندلاع الثورة التونسية التي أطاحت بزعيم البلد المستبد وألهمت الحركات الاحتجاجية الأخرى في أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أصبحت الديمقراطية التونسية على مفترق طرق. يتمتع التونسيون اليوم بالحرية الكافية لاختيار قادتهم وقد نظموا استحقاقات انتخابية متعددة ويستطيعون انتقاد حكومتهم علناً، لكن لم تتحقق بعد أحلام الانتفاضة رغم مرور عقد من الزمن ولا تزال مظاهر اللامساواة والبطالة وسوء الخدمات مستمرة.

يشكك الكثيرون بقدرة الحكومة على تأمين الخدمات للناس، فرغم وضع خطة لا مركزية طموحة لتحسين طريقة تأمين الخدمات وتقوية الحُكم المحلي، لم يتحقق الكثير على المدى القصير في هذا الملف، فزادت صعوبة إحراز تقدّم ملموس على مستوى تفويض السلطة أو توزيع الموارد بطريقة منصفة أو اتخاذ القرارات محلياً. تشكّل هذه النقاط محور الانقسامات في تونس ويشعر الناس بالاستياء من هذا الوضع.

Ad

تراجعت ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، إذ يعتبر 87% من التونسيين أن بلدهم يسير في اتجاه خطأ، كذلك، يشعر الناخبون حتى الآن باستياء شديد من الأحزاب الحاكمة، فحين سُئِل التونسيون عن أهم إنجازات حققتها حكومتهم الوطنية في 2020، قال 75% منهم إنها "لم تحقق شيئاً" وعبّر أكثر من 50% عن رغبتهم في ظهور أحزاب سياسية جديدة في الانتخابات المستقبلية.

يلوم الناس الأحزاب لأنها فشلت في معالجة مظاهر التهميش الاجتماعي والاقتصادي العميق، واللامساواة بين المناطق، وارتفاع نسبة البطالة، والفساد، وتصاعد الديون غداة تفشي فيروس "كوفيد19"، ومن المتوقع أن تصل نسبة البطالة إلى 20%، ولا يزال الاقتصاد على رأس أولويات الشعب التونسي الذي يعجز بشكلٍ متزايد عن إعالة نفسه. سجّلت تونس في 2020 أعلى عجز في ميزانيتها منذ 40 سنة بسبب زيادة نفقاتها بمعدل 4 مليارات دولار للتعامل مع الأزمة الصحية التي أنتجها فيروس كورونا، وكان متوقعاً أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي في تونس بنسبة 8% في 2020 بسبب الفيروس أيضاً. على صعيد آخر، لا تزال الأوساط السياسية منقسمة في عهد الرئيس قيس سعيد الذي يأتي من خارج المعترك السياسي ولا يرتبط بأي حزب أو أغلبية برلمانية لكن يضعف أداؤه بسبب التقاتل السياسي والانقسامات المستمرة، بما في ذلك احتدام خصومته مع راشد الغنوشي، زعيم "حركة النهضة".

تصاعد التوتر العام غداة انتشار ادعاءات حول الفساد وتسمية رئيس الوزراء هشام المشيشي وطريقة تشكيل الحكومة الجديدة، بالإضافة إلى الشرخ المتوسّع بين البرلمان والرئيس، وتشير زيادة شعبية شخصيات معادية للثورة، مثل رئيسة "الحزب الدستوري الحر" عبير موسى التي تدافع عن عودة حُكم الزعيم القوي، إلى نشوء شرخ وجودي كبير، مما ينذر بتغيير محتمل في أساليب التعاطي السياسي في تونس. أدت الانقسامات الحزبية وتوسّع الحملات الدعائية التي تروّج لشخصيات بطولية وهمية إلى كبح سياسة الصفقات التي سمحت للديمقراطية الناشئة في تونس بمتابعة مسارها. لا تزال الديمقراطية هشة في تونس وتلوح تحديات كثيرة في الأفق، ويجب أن يُخمِد رئيس الوزراء هشام المشيشي التوتر القائم بين الرئاسة والبرلمان، فقد بدأت الفوضى البرلمانية تتوسع تزامناً مع زيادة استياء المواطنين من الحكومة، واليوم، يظن 41% من التونسيين فقط أن الديمقراطية هي أفضل شكل محتمل من الحُكم في تونس. في المقابل، يظن 50% منهم أن أشكالاً أخرى من الحُكم قد تكون أفضل من الديمقراطية، لذا يواجه النموذج الجماعي المعارِض الذي تتبناه التشكيلات العلمانية والجماعات السياسية المبنية على القيم الإسلامية والقادرة على إنشاء مساحة مشتركة مشاكل جدّية، فمن دون معالجة هذا الشرخ، تجازف تونس بالسير نحو طريق اللاعودة للمرة الأولى منذ نشوء نظامها الديمقراطي قبل عشر سنوات.

باتريسيا كرم - ذا هيل