كل مرحلة في الكويت ولها مفرداتها ومصطلحاتها التي تلوكها الألسن والأقلام حتى تلتصق بها وتميزها وتصبح عنواناً لها، لدرجة صرنا معها نستذكر أحداثاً مرت علينا قد لا تسعفنا ذاكرتنا على تحديد تاريخها، ولكن يمكننا تذكر عنوان المرحلة التي حدثت بها، فقد كنا أغراراً في زمن مصطلح "دول الضد" وشعار "لا مصالحة قبل المصارحة" لسنوات بعد الغزو الانعزالية، ثم خرجنا لسوق العمل في بدايات "الهرم المقلوب" الذي كشفه أبو قتيبة، رحمه الله، ثم صدمتنا سنوات "العولمة" و"القرية الكونية" بأن الواقع مختلف فعلاً عما درسناه في مرحلة الهرم المذكورة أعلاه، وصولاً إلى مرحلة "ثلاثي الفساد" الذي سيصلح الكويت الآن، وذلك بعدما عشنا في ظلال "الشفافية" وأختها "الحوكمة" لسنوات أخرى جميلة لم يعكر صفوها إلا "القيمة المضافة" أحياناً، وهكذا استمرت الحياة بنا، نخرج من مصطلح مستورد وندخل في آخر محلي.

اليوم نعيش في الكويت أزهى عصور "الدولة العميقة"، فما اجتمع سياسي ومايكروفون إلا وبنت العميقة ثالثتهما، وكله في سبيل أن يستعرض هو "عمقه" الثقافي والسياسي أمام الجمهور لا علماً بتاريخ هذا المصطلح أو حقيقة هذا العمق المدعى أو أركانه وجذوره، ولست هنا بموضع نفي وإنكار لوجود مثل هذه الدولة العميقة الواحدة الفاسدة المسيطرة على مجرى الأمور، وبهذه القوة والقدرة على التحكم، وإن كان التشخيص الأكثر قرباً لواقعنا، حسب ما أراه، هو وجود عدة "مراكز قوى" متنافسة، وكل مركز منها له دولته العميقة التي يحاول تعميقها أكثر، وغالباً في حالتنا ما يكون السياسي الشاكي من نفوذ "الدولة العميقة" الفاسدة، إما مدافعاً عن "مركز القوى" الذي يتبعه، والذي يسعى بدوره لتعميق دولته الفاسدة أيضاً، أو كالعادة كمهرب للفاشلين عن الإنجاز لأجل تبرير إخفاقهم والتنصل من مسؤولياتهم، وإلقاء اللوم على الآخر المتآمر المجهول ذي القوى الخارقة الخفية.

Ad

الوضع بالكويت قد يكون بحاجة للتحليل النفسي أكثر من حاجته للتحليل السياسي واستيراد المصطلحات والألقاب، فإن كان أصل المشاكل هو خلافات الأسرة فنحن بحاجة لاستشاري أسري، وإن كانت المسألة متعلقة بالطبقية والمذهبية والقبيلة فسيظل أصلها نفسياً واجتماعياً أكثر منه سياسياً، ولكننا نحب أن نسبغ على مشاكلنا الصغيرة كلمات كبيرة ومريحة لنشعر بقيمتنا وأهميتنا أمام الآخرين من جهة، ونبرئ ذمتنا عن تقاعسنا عن بذل الجهد اللازم لفهمها وتحليلها والتعامل معها بجدية لائقة من جهة أخرى، وإن أردنا أن نتشبث بمصطلح يليق بنا فالأقرب لحالتنا هو "الدولة المعيقة"، لأنها تعيق حياة الناس العادية ومشاريعهم الحياتية والتجارية وتعطل المراكب السايرة بسوء إدارتها أكثر من سوء نيتها، وهذا الانسداد للآفاق وانغلاق المنافذ سواء للأعمال أو للمناشط الاجتماعية أو حتى الترفيهية والمسلية جعل الناس يتجهون للأسهل لتفريغ طاقاتهم وشحناتهم العاطفية، ولا شيء أسهل من السياسة في العالم العربي ما دامت نظريات مثل المؤامرة وبروتوكولات حكماء صهيون وحكومة العالم الخفية تتنفس، فينبطح آخر الليل موظف وزارة الشؤون المتسيب بجانب مراقب البلدية الفاسد في ديوانية أمين المستوصف الذي لا يعرف موقع عمله ليشتكوا جميعهم سوء أداء وزارات الدولة وكسل موظفيها واستهتارهم بمصالح الناس بسبب "الدولة العميقة" طبعاً... "وعيش حياتك".

فهد البسام