عربة تجرها ثلاثة خيول

Ad

مقولة تتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل عن نظام الحكم الديمقراطي في أميركا، وهو ما يحقق توارثاً مقبولاً من الشعب الأميركي، على مدار تجربة ديمقراطية حية، تتداول فيها السلطة بسلامة وانتظام بين الحزبين الرئيسين على الساحة، السياسية والانتخابية، في دول كبيرة مترامية الأطراف، متعددة الولايات والأجناس والأعراق، ولكل من الحزبين نصيب في هذا التعدد، يتفاوت، ضيقا واتساعاً، من ولاية إلى أخرى.

وهناك عامل توازن في الكونغرس ذاته، حيث تتساوى الولايات جميعا في عدد ممثليها داخل مجلس الشيوخ، وتختلف كل ولاية عن الأخرى في عدد ممثليها في كل ولاية، بحسب الكثافة السكنية في كل ولاية، بما يخلف توازنا في القوانين والقرارات التي تتطلب موافقة المجلسين معاً، فيحدّ كل مجلس من المجلسين من أي غلواء أو انحراف للمجلس الآخر.

كما يتولى مجلس النواب اتهام رئيس الجمهورية، ويتولى مجلس الشيوخ برئاسة رئيس المحكمة العليا محاكمة الرئيس، بعد قيامهم بحلف اليمين على أن يحكموا بالعدل، وتقف المحكمة العليا الأميركية قلعة صامدة في حماية الدستور ومبادئه، وقد سجل تاريخ القضاء الأميركي للرئيس أيزنهاور أنه أصدر قراراً بإرسال قوة من الجيش الأميركي إلى ولاية أركنساس، تحملها الطائرات لتنفيذ حكم المحكمة العليا الأميركية.

وكان حاكم ولاية أركنساس قد أصدر أوامره، إلى قوات الحرس الوطني للولاية والشرطة بمنع تنفيذ الحكم الصادر لصالح الطالب الأسود جون ميرديث، بأن من حقه أن يلتحق بالجامعة التي قصرت الالتحاق بها على البيض، وحبست أميركا أنفاسها، والمشاعر تغلي، وما إن رأى حاكم الولاية قوات الجيش الأميركي تتقدم من أبواب الجامعة وهي تحمل العلم الأميركي، حتى أذعن حاكم الولاية لحكم المحكمة وتنحى ومرافقيه عن أبواب الجامعة ليدخل إليها الطالب الأسود جون ميرديث.

وقد أثبت القضاء الأميركي استقلاله عن انتمائه الحزبي، عندما انتصف للدستور ولإرادة هيئات الناخبين في الولايات الخمس والعشرين، حتى محاكم الولايات التي يتكون أغلبية أعضائها من الجمهوريين، بالرغم من أنها تدين بمناصبها لأصوات الناخبين الجمهوريين، فقد قضت هذه المحاكم برفض مسلسل الدعاوى التي أقامها ترامب في هذا السياق، بالرغم من أن أغلبية أعضائها من الجمهوريين، وقد دعّم الرئيس هذه الأغلبية في أكتوبر الماضي وقبل الانتخابات مباشرة، بقاضية جمهورية هي إيمي كوني باريت.

الجيش ليس له دور سياسي

وتنعم الولايات الأميركية بجيش يقوم على عقيدة وطنية وعلى الالتزام بصون الدستور وحمايته، كعقيدة مكملة للعقيدة الأولى، والأولى تعتبر العقيدة التي تبنى عليها الجيوش الحديثة، التي لا تستثني أحدا في سن التجنيد الإجباري، إلا أن الجيش في الوقت ذاته يمكن أن يستخدم كأداة قهر قادرة على التدخل السياسي لصالح السلطة الحاكمة أو للانقلاب عليها، وهو فكر انزوى في الغرب، بعد فشله في فرنسا في حركة مايو 1958 والحركة العسكرية في أبريل 1961، ولكن هذا الطرح يجد مجالا خصباً له في الدول الثانية، إلا أن الجيش، بوجه عام، يؤلف اليوم وأكثر من السابق مجموعة ضاغطة ومؤثرة تؤدي دورا مهما في توجيه السياسة، وخصوصا في الدول المصدرة للسلاح.

وقد حاول ترامب أن يلوذ بالجيش في المظاهرات التي اجتاحت البلاد من أقصاها إلى أدناها غضبا على مقتل الأميركي من أصل إفريقي جورج فلويد على يد الشرطة والتي صاحبها عنف، وحملة ضد الكراهية، امتدت في طول البلاد وعرضها، حملت شعارات ضد العنصرية، وكان المتظاهرون يرددون الكلمات الأخيرة التي كان جورج يرددها قبل مقتله: "لا أستطيع أن أتنفس أرجوك لا تقتلني".

وقد اعتذر رئيس هيئة أركان الحرب المشتركة مارك ميلي للشعب الأميركي عن صورة التقطت له إلى جانب الرئيس أثناء إحدى هذه التظاهرات، وفي خطاب قوي له في الثالث عشر من نوفمبر سنة 2020 أثناء افتتاح متحف للجيش الأميركي قال: "نحن فريدون بين الجيوش، نحن لا نقسم على الولاء لملك أو ملكة أو طاغية أو دكتاتور، نحن لا نقسم على الولاء لفرد أو بلد أو قبيلة أو دين، نحن نقسم على الدستور وكل جندي وبحار وطيار ومشاة بحرية وخفر سواحل، كل منا سيحمي وبدافع عن تلك الوثيقة بغض النظر عن الثمن الشخصي".

سلطة العفو المطلق للرئيس

إلا أن ضلعاً أعوج في مثلث الديمقراطية، هو سلطة العفو المطلق التي يستخدمها الرؤساء الأميركيون، عادة عندما يغادرون مناصبهم فيصدرون عفواً عن مسؤولي البيت الأبيض ومن عاونوا الرئيس من أي ملاحقة قضائية يتعرضون لها، بما يعتبر معه هذا العفو عدوانا على سلطة القضاء وإخلالا بسير العدالة.

والواقع أن فكرة العفو الرئاسي، هي فكرة قديمة وزالت مبرراتها، إذ إنها كانت ترجع إلى مصدرين تاريخيين:

المصدر الأول: أن الملوك كانوا يحكمون شعوبهم، ويتوارثون الحكم على أساس الحق الإلهي، وأنهم ظل الله على الأرض، ومن هنا كان الملك هو المصدر الأول للعدل والعدالة، وكان الملك هو الذي يمنح المحاكم سلطاتها في محاكمة الرعية عن الجرائم التي يقترفونها، ومن هنا كان استخدام الملوك لسلطة العفو استرداداً لحق أصيل له منحه للمحاكم.

المصدر الثاني: أن القضاء لم يكن يتمتع بالاستقلال الذي يتمتع به الآن في أغلب دول العالم، وفي أغلب دساتيره المعاصرة، ولم يكن مبدأ شرعية التجريم والعقاب قد رسخ في ضمير الإنسانية، ولم تكن ضمانات التحقيق والدفاع ومقومات المحاكمة المنصفة العادلة قد توسدت الضمير الإنساني، بل كانت اعترافات المتهمين تنتزع قسراً بوسائل تعذيب فوق طاقة البشر، وكان التعصب الديني سيفاً مستلاً على أصحاب الرأي والعلماء لاتهامهم بالهرطقة، وكانت محاكم التفتيش في أوروبا تحكم بعقوبات شديدة القسوة والغلظة يرفضها المجتمع الإنساني الآن.

وجدير بالذكر أن حق العفو الخاص الذي كان يمنحه الملك في فرنسا لم يكن حقا مطلقا بل كان خاضعاً لرقابة قضائية، حيث كانت طلبات العفو تعرض على قضاة البرلمان في ظل النظام القديم.

وتواترت الأخبار أن الرئيس ترامب بعد أن أصدر عفواً عن كوشنر وغيره من مستشاريه وزملائه ومسؤولي البيت الأبيض، استشار مستشاريه في إصدار عفو عن نفسه، ويدور الجدل الدستوري والقانوني حول هذه المسألة الآن، وقد نصحه البعض بالاستقالة ليتولى نائبه استخدم صلاحياته في العفو عنه.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

المستشار شفيق إمام