حاولت بريطانيا عام 1939 أن توضح موقفها الرسمي تجاه الموضوع الفلسطيني، وطبيعة مستقبل فلسطين، في ظل التجاذب بين طرفي المشكلة، وهم العرب واليهود، فأصدرت ما أسمته بـ "الكتاب الأبيض"، ووضعت فيه تفاصيل موقفها ورؤيتها للمستقبل في تلك المنطقة العربية. ويأتي موقفها الذي لخصته في 15 صفحة انطلاقاً من مسؤوليتها كدولة مُنتدبة دولياً لإدارة فلسطين بعد انهيار الحكم العثماني.

قلنا في المقال السابق إن الحكومة البريطانية لم تكن تؤيد تأسيس دولة يهودية في فلسطين، أي أنها لم تكن ترى أن يتولى اليهود إدارة فلسطين على حساب الفلسطينيين، لعدة أسباب وجيهة، أهمها أنه ليس من العدالة أن يتم ذلك. في الصفحة السادسة من الوثيقة أو الكتاب الأبيض تعبر الحكومة البريطانية عن موقفها بالقول بشكل واضح إن "الهدف الذي ترمي إليه هو إقامة الحكم الذاتي، وهي ترغب في أن ترى قيام دولة فلسطينية مستقلة في النهاية. وينبغي أن تكون تلك الدولة، دولة يساهم فيها الشعبان المقيمان في فلسطين، العرب واليهود، بممارسة سلطة الحكم على وجه يكفل ضمان المصالح الرئيسية لكل من الطرفين".

Ad

ورغم وضوح الرؤية البريطانية المعارضة لتمكين اليهود من تأسيس دولة مستقلة لهم على أرض فلسطين، فإن بريطانيا أكدت أنها تحترم الوجود اليهودي في فلسطين، وأنها لم تنكث بوعدها لهم لإنشاء "وطن قومي" في فلسطين قبل عام 1920، فها هي تقول في كتابها الأبيض "لقد أعاد اليهود في القرنين أو الثلاثة قرون الأخيرة تكوين طائفة لهم في فلسطين يبلغ عددها الآن ثمانين ألفاً (عام 1922)، ربعهم تقريباً مزارعون أو عملة في الأرض. ولهذه الطائفة هيئتها السياسية الخاصة، ومجمع منتخب لإدارة شؤونها الداخلية، ومجالس منتخبة في المدن، وهيئة للإشراف على مدارسها، ولها رئاسة ربانيين منتخبة ومجلس رباني منتخب لإدارة شؤونها الدينية".

ثم تقول بوضوح أكثر "ولو سأل سائل عن معنى تنمية الوطن القومي اليهودي في فلسطين لأمكن الرد عليه بأنها لا تعني فرض الجنسية اليهودية على أهالي فلسطين إجمالاً، بل زيادة نمو الطائفة اليهودية بمساعدة اليهود الموجودين في أنحاء العالم حتى تصبح مركزاً يكون فيه للشعب اليهودي برمته اهتمام وفخر من الوجهتين الدينية والعنصرية".

لذلك وتماشياً مع وعدها، عملت الحكومة البريطانية على مساعدة اليهود للهجرة إلى فلسطين منذ بداية الانتداب حتى وصل عددهم إلى 450 ألفاً عام 1939 طبقاً للكتاب الأبيض. وقد بينت بريطانيا تفاصيل خطتها لمستقبل فلسطين وإدارتها في ذلك الكتاب التاريخي، وسنشرح ما ورد فيه بشيء من التفصيل في مقالنا المقبل إن شاء الله تعالى.