أفضل خدمة يمكن أن يقدمها أهل الثقافة والمعرفة لبلدهم، أن يحفظوا "ذاكرة الوطن"، وهذا ما يقوم به الدكتور عبدالله الغنيم من خلال مركز البحوث والدراسات الكويتية.

أكْبَرتُ جهوده وجهود العاملين معه في المركز على ما أقدموا عليه من خطوات في مجال التوثيق لا سيما حفظ وثائق من تاريخ العوائل الكويتية، بل المؤلفات التي أصدرها عنهم، وبما أننا في نهاية عام 2020 وكما جرت العادة تتسابق الصحف والتلفزيونات على اختيار شخصية العام وهذا عمل مارستهُ على مدى أكثر من 43 عاماً في كتابة الأبحاث والدراسات والتقارير التي نشرتها في "القبس"، وكنا في كل عام نجدد الفكرة التي يقع عليها الاختيار قبل نهاية السنة الميلادية.

Ad

وأثناء زيارة قمت بها لمركز البحوث تزودت منه بمجموعة مراجع ذات علاقة بتاريخ التطور العمراني في الكويت، وجدت إضافة لما أعرفه، أن هناك شخصية أثْرت الكويت وتاريخ تخطيط المدن بإنتاجها العلمي ومساهماتها في عصر الخروج من أسوار المدينة القديمة والتوسع الذي شهدته في الخمسينيات والستينيات، إنه المهندس الدكتور سابا جورج شبر والذي حفظ تاريخه واهتم بإعادة طبع ونشر إنتاجه الفكري، هو الدكتور عبدالله الغنيم.

لذلك وجدت أنه من باب الوفاء لهذا الرجل أن يكون "شخصية العام"، وأخص بالذكر هنا ما خطه زميله في المهنة المهندس الأستاذ صباح محمد الريس في كتابه "تاريخ الهندسة في الكويت" والذي خصص صفحات للحديث عن دوره وعن مشاركاته التي باتت جزءاً من الماضي.. وكانت مصدراً رئيساً لكتابة هذا المقال.

جيل الخمسينيات يذكرون هذا الاسم جيداً لكن مع تعاقب الأجيال، لم يعد أحد يشير إليه أو يعطيه حقه فالأنظار اتجهت إلى من هم في "واجهة العرض"، فقد عمل سابا جورج شبر في بلدية الكويت عام 1960 كخبير للتخطيط ثم انتقل إلى مجلس الإنشاء بعد تأسيسه، وكان له الدور الكبير بإخراج المخطط الهيكلي الثاني للكويت، ودأب على حث المسؤولين بوضع مخطط هيكلي متكامل يغطي جميع مرافق الدولة، وعندما تمت الاستعانة بـمكتب "كولن بيوكانن" الهندسي ليقوم بتجهيز المخطط الثاني كان "سابا" قد وضع الأسس التي بني عليها "كولن" دراسته.

شدد "سابا" على وضع حلول لمشكلة السكن واقترح أن تخصص قسائم بمساحة 750 متراً مربعاً و1000 متر مربع للسكن الخاص، حيث بنى رؤيته من واقع عايشه ومن معرفته وإلمامه بمستقبل "مدينة الكويت" ولديه قناعة بأنه لا يمكن الاستمرار بهذه السياسة وذلك لقلة الأراضي وارتفاع تكلفة البنية التحتية.

يذكر المهندس صباح الريس في كتابه، أن الحكومة الكويتية وفرت له طائرة هليكوبتر للاطلاع على الكويت من الجو للقيام برحلة على طول الحدود مع العراق والسعودية وعلى ساحل الخليج وفي الصحراء ليلتقط مئات الصور عام 1960.

ساهم "سابا" بإعداد ونشر عدد من الأبحاث والدراسات والكتب، وأنجز الكثير من دراسات المسح الجوي والمروري والسكاني ومسح الخدمات الاجتماعية والملكيات والمشاريع، ونسب إليه الدور الأساسي في تخطيط وتصميم المنطقة التجارية وحديقة البلدية ومناطق الخالدية والعديلية والرميثية.

صدرت له كتب منها، "وجوه المدينة" باللغتين العربية والإنكليزية عام 1962، و"علم التنظيم وتطور الكويت" باللغة العربية عام 1963، طبعته بلدية الكويت وعملت على توزيعه بمناسبة يوم العلم كهدية للقراء والمواطنين، وكتاب "العلم وتنظيم المدن العربية" عام 1963، و"مدينة الكويت" بالإنكليزية عام 1964 التي أعادت نشرها مجلة "حوار" اللبنانية عام 1966 بالعربية، و"آفاق جديدة للمدن" عام 1966.

كان أحد الأشخاص الفاعلين بالعمل على مشروع "كورنيش البحر" والمعروف بشارع الخليج العربي في الستينيات، وكتب دراسة حول المقترح نشرتها مجلة "الموظف" كانت تصدر عن ديوان الموظفين ويرأسها المحامي المرحوم حمد يوسف العيسى.

وفي عام 1962 نشر دراسة أخرى بعنوان "الكويت من قرية إلى عاصمة" في مجلة "الموظف" وهذا ما توافر لنا من معلومات علنا نكون قد وفيناه جزءاً مما يستحق.

أجمل ما قرأت له، دراسة بعنوان "الكويت أكثر المدن العربية إثارة للدهشة" وبالفعل استمتعت بمطالعتها ووجدتها قطعة أدبية وإنسانية غاية في الجمال وفيها روح المحبة للكويت.

حمزة عليان