هل يعزز تعليمنا ثقافة الديمقراطية؟

هذا تساؤل حيوي، للمفكر السعودي إبراهيم البليهي (كتبت عن فلسفته سلسلة مقالات سابقة) إجابات كاشفة عن طبيعة تعليمنا، تقول: إننا نتوهم أن تعميم التعليم، ونشر المدارس، والإكثار من الجامعات، تؤدي تلقائياً إلى تهيئة المجتمعات للتقدم والازدهار، لكننا نغفل عن أن التعليم محكوم بالثقافة المتوارثة السائدة وليس حاكماً، بل هو امتداد لها، يكرسها ولا يغيرها، ويبرمج الدارسين عليها، فلا يمكن نجاح الديمقراطية مادام الناس مأخوذين بالتفكير الطائفي والمذهبي (والقبلي) الديمقراطية تتأسس على النزعة الفردية وحقوق الإنسان وكرامته واحترام الاختلاف والمساواة أمام القانون وحرية النقد والصحافة، هي نتيجة ومحصلة لتغيير هذه الثقافة وليست مقدمة أو صانعة لها، وهي أعظم ابتكارات الإنسان لإدارة المجتمع والتداول السلمي للسلطة.

Ad

وطبقاً لدراسة د. سعدالدين إبراهيم وفريقه (1990) وشملت (20) دولة عربية، فإن التعليم العربي يشجع "الاستبداد والخنوع والسلبية، لا المشاركة والديمقراطية"، ويدعم "القهر والتسلط، لا الاستقلالية والفكر الناقد"، أما دراسة الخبير التربوي د. محمد جواد رضا (2004) فقد شخصت علل التعليم العربي في (5) أوهام، أبرزها "وهم الخوف من الحداثة والديمقراطية"، وحتى بعد أن خضعت هذه المناهج، والمنظومة التعليمية برمتها لسلسلة من عمليات التجديد والتطوير، عقب العمليات الإرهابية، بهدف تنقيحها من مضامين (الكراهية والتطرف) لا يزال تعليمنا يعاني من مضامين معوقة لثقافة الديمقراطية:

1- منها ما يتعلق بوضعية المرأة ودورها السياسي والاجتماعي، لا يزال تعليمنا يتخذ موقفاً تمييزياً تجاه المرأة حين يهمش دورها في الحياة العامة، خصوصا في المجالات القيادية والبرلمانية، وحين يكرس صورة نمطية بأنها "كائن ناقص بحاجة إلى وصاية الرجل"، وحين ينسب إلى الرجل "حسن الإدارة والتصرف والعقلانية في مقابل عاطفيتها وسوء تدبيرها للأمور"، وأنها ذات "خلق أعوج طبيعي" يحق للزوج "تأديبها" فضلا عن أن المناهج الخليجية غالبا ما تصورها بأنها لا تصلح إلا لرعاية الأطفال وإعداد الطعام ومهنة التعليم. راجع (الدراسة القيمة للباحثة نعيمة الراشدي حول: تمثيل المرأة في كتب العلوم الاجتماعية مقارنة بتمثيل الرجل- التنمية في هوامش الخليج، مركز دراسات الوحدة العربية ومركز الخليج لسياسات التنمية 2018).

2- ومنها ما يتعلق بالعلاقة مع الآخر المختلف (معتقداً أو طائفة أو مذهباً أو قومية أو حتى توجهاً سياسيا أو فكرياً)، فما زال تعليمنا يشوبه موقف إقصائي منه، فهو كافر أو مرتد أو ضال أو خائن أو متآمر.

3- ومنها ما يتعلق بالنزعة التعظيمية لدور (الفرد البطل) باعتباره صانع الأحداث والمقدرات والانتصارات، فهو القائد، وهو المنقذ، وهو المحرر، وذلك على حساب دور الشعوب المغيب والمهمش عبر التحولات التاريخية، تاريخنا يتم تدريسه بالتركيز على تاريخ الخلفاء والحكام والأبطال وحروبهم وغزواتهم وفتوحاتهم وأمجادهم مع تغييب دور الشعوب، فأصبح تاريخنا تاريخ سير الملوك والأبطال،لا تاريخ الناس الذين عاشوا في هذه المجتمعات، وساهموا في أحداثها، وواجهوا تحدياتها.

التاريخ الاجتماعي لا يكاد يظفر بعناية مؤرخينا إلا قليلاً، ولذلك لا نندهش من ولع قطاعات مجتمعية ونخبٍ فكرية بالقائد الذي يتحدى أميركا وإسرائيل حتى لو استبد بهم، وداس كرامتهم، وانتهك حرياتهم، وقادهم إلى الهزيمة، إذ تجدهم رافعين صوره، باكين سقوطه المهين، وهزيمته النكراء، فلا عجب في انتظار شعوبنا (المهدي المنتظر) الذي يملأ الأرض عدلاً، لأنها عاجزة عن التغيير!

هذا الموقف التعظيمي لدور (الفرد البطل) هو الذي ساهم في خلق التركيبة الثقافية الهشة لمجتمعاتنا، القابلة للاستبداد، تناوله القصيمي في "لئلا يعود هارون الرشيد" وأكده الغذامي في تشخيصه الدقيق لظاهرة (الفحل) في الخطاب الشعري والتي امتدت لبقية المناشط الثقافية.

أخيراً: أما المناهج الدينية ومعلموها فما زالوا محكومين بالماضي، مستغرقين فيه، يتغنون بمآثره وفتوحاته، يحلمون بدولة الخلافة، وما دولة الخلافة إلا حكم الفرد والملك العضوض!

تعليمنا يرسخ فكرة "الوصاية" و"ثقافة الديمقراطية" إنما تعنى بتفكيك "الوصاية"، وصاية الحاكم على المحكوم، وصاية المجتمع على الفرد، وصاية الرجل على المرأة.

* كاتب قطري

د. عبدالحميد الأنصاري