استناداً إلى أحدث تعليقات مستشاري جو بايدن، ستُركّز الإدارة الأميركية المقبلة على أربع أولويات في الشرق الأوسط: احتواء برنامج إيران النووي ونشاطاتها التخريبية الأخرى في المنطقة، وضمان أمن إسرائيل وترسيخ السلام العربي الإسرائيلي، وإنهاء الحروب في اليمن وليبيا، وأخيراً الاهتمام بقضية حقوق الإنسان في المنطقة.

وتعكس النقاط الثلاث الأولى أولويات إدارة ترامب أيضاً، ونظراً إلى هذه القواسم المشتركة، تبرز تساؤلات تدور حول الجوانب المتبدّلة في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، وما السياسات التي ستبقى على حالها؟

Ad

في قراءة للتحولات المتوقعة لسياسة جو بايدن بعد دخوله البيت الأبيض في المقام الأول، سيستمر التركيز على تقاسم الأعباء، ووفق صديق مقرّب لبايدن، لا يفكر الرئيس المُنتخب في سحب القوات العسكرية، لكنه يريد إنهاء الحروب القائمة، وتتطلب هذه العملية اتكالاً مفرطاً على دول المنطقة لإقامة السلام وتقديم التنازلات وتأمين الحوافز اللازمة للخصوم بهدف إنهاء الصراعات.

كذلك، سيتابع الأميركيون التشديد على نشر مفهوم التسامح الديني، وقد سبق أن أيّد نائب الرئيس مايك بنس هذه القضية انطلاقاً من التزام ديني خاص به، وستدعمها إدارة بايدن بهدف حماية الحريات الفردية.

على صعيد آخر، ستستمر الضغوط على الشركاء العرب لإضعاف علاقاتهم مع روسيا والصين، ومن المتوقع أن تتّضح هذه الضغوط في مجالات الدفاع والأمن، والفضاء الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الكبرى والطاقة النووية.

وتزامناً مع تجديد الالتزامات الأميركية تجاه أوروبا، سيتابع بايدن الضغط على الحلفاء الأوروبيين لترحيل المقاتلين الأجانب المقيمين في مخيمات مثل "الهول" حيث تنشغل القوات المحلية باحتواء المواطنين الأوروبيين المتطرفين والاعتناء بهم. يبدو أن إصرار أوروبا على وجود عوائق قانونية تقضي بتحمّل مسؤولية هؤلاء المواطنين لا يلقى أي آذان صاغية في الولايات المتحدة حيث يظن الحزبان الجمهوري والديمقراطي أن المشكلة في أوروبا سياسية بحتة.

ستتابع الولايات المتحدة في عهد بايدن الاتكال على نفط الخليج، حيث ترتكز الادعاءات المرتبطة بمفهوم "الاستقلالية الأميركية في مجال الطاقة" على قطاع محلي مزدهر يُعنى بصناعة الصخر الزيتي، ولن يتدخل بايدن في سياسات النفط الدولية بقدر الرئيس ترامب، ولن يشارك في سياسات الضغط التي تعتمدها "منظمة الدول المُصدّرة للبترول"، ولن يحمي صناعة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة لأن معظم عمليات الإنتاج في هذا القطاع تحصل في ولايات جمهورية، كما أن صناعة الصخر الزيتي تتعارض مع أهداف أجندته المرتبطة بالطاقة الخضراء.

نتيجةً لذلك، قد يواجه بايدن موقفاً صعباً، فهو مُصمّم على التعامل مع المملكة العربية السعودية بطريقة أقل إيجابية من ترامب، وإذا اتخذ بعض الخطوات في هذا الاتجاه، فقد تتعاون السعودية مع "منظمة الدول المُصدّرة للبترول" لإلغاء حدود الإنتاج، حتى إنها قد تعمل على تخفيض أسعار النفط (تُعتبر كلفة إنتاج كل برميل في السعودية الأدنى مستوى في العالم). لهذا السبب قد تتراكم كميات الصخر الزيتي في الولايات المتحدة، فيبدو بايدن غير مسؤول من الناحية المالية لأنه قرر فرض أهداف انتقالية في مجال الطاقة قسراً.

نعرف جميعاً أن بايدن سيعيد تقييم العلاقات الأميركية ـــ السعودية، لكن قد لا يكون ضبط هذه العلاقة جذرياً بقدر ما نتوقع. هل سيرغب بايدن مثلاً في تقييد التعاون النووي بين المملكة والصين أو الضغط على الرياض لإطلاق سراح الناشطين والمعتقلين السياسيين؟ وهل سيتخذ خطوات ومجازفات حقيقية لإنهاء الحرب في اليمن ويمنع السعودية من الحصول على القنابل الأميركية الذكية والمنصات المتقدمة؟ أم أنه سيرغب في تجربة حظه لتحقيق أهدافه المرتبطة بالطاقة الخضراء؟ لبلوغ الأهداف الأربعة الأولى، قد تضطر الإدارة الأميركية لتجربة الخيار الأخير، لكن تستطيع السعودية أن تخرّب هذه الجهود.

ستستمر سياستان إضافيتان خلال عهد بايدن، تدعم إحداهما "اتفاقيات أبراهام"، وسيتابع فريق بايدن التشجيع على تطبيع العلاقات ويصرّ على عدم ضم الأراضي في إسرائيل، كما أنه سيحاول إخماد نفور الفلسطينيين من "صفقة القرن" ويستعد لتجديد التواصل معهم.

لتحقيق ذلك الهدف، يتوقع فريق بايدن من الفلسطينيين أن يختاروا زعيماً قادراً على التكلم باسمهم، وتدرك جميع الأطراف في واشنطن أن جزءاً كبيراً من الإخفاقات في محادثات السلام يشتق من الخلافات الفلسطينية الداخلية، ولم يعد أحد يتحلى بالصبر الكافي لتحمّل هذا الوضع، وتشكّل "اتفاقيات أبراهام" مؤشراً ملموساً على ذلك.

في الوقت نفسه، ستستمر الجهود الرامية إلى إنهاء الشرخ في منطقة الخليج. ووفق الأفكار الشائعة، يُقال إن قطر ستستفيد من إدارة بايدن إذا قررت هذه الأخيرة إبعاد نفسها عن السعودية والإمارات ومصر وهي الدول التي شهدت تصدّعاً في علاقاتها مع الدوحة منذ ثلاث سنوات. لكن تعني زيادة هذا التباعد تراجع النفوذ أيضاً، ورغم أن إدارة ترامب بذلت جهوداً كبرى لردم تلك الفجوة عن طريق التهديدات والحوافز معاً، لكنها فشلت في مساعيها.

وكي تؤثر إدارة بايدن على النتائج النهائية وتضع حداً للخلاف، يجب أن تقدم التنازلات حول أهداف أخرى متعلقة بتلك الدول. هل ستعطي الأولوية لإنهاء ذلك الشرخ بدل التركيز على مسائل حقوق الإنسان، أو الحرب في اليمن، أو مستقبل ليبيا أو سورية، أو علاقات الخليج مع الصين، أو الحد من بيع الأسلحة؟ يجب أن تحصد الدوحة دعم الإدارة الجديدة كي تضمن بقاء القاعدة الجوية الأميركية في قطر، كما أنها بحاجة إلى إقناع البيت الأبيض بأن حل الخلاف أساسي لتحقيق أي أهداف أخرى في المنطقة.

نقاط الاختلاف في الإدارة الجديدة

من المتوقع أن يزيد التركيز على حقوق الإنسان وحرية العمليات من جانب المجتمع المدني، وسيصبح هذا الوضع مزعجاً بالنسبة إلى بلدان محددة، وستكثر المشاورات مع الشركاء الأوروبيين قبل اتخاذ أي قرارات سياسية كبرى بشأن الشرق الأوسط، ولن تحصل أي خطوات أحادية الجانب تزامناً مع تراجع التدخل الأميركي في اليمن.

وستسحب إدارة بايدن الفريق الاستشاري الأميركي الصغير الذي يحاول منع الضربات الجوية السعودية في اليمن من إيذاء المدنيين، وهي خطوة تهدف إلى إنهاء الدور الأميركي في حربٍ أدت إلى تفاقم أزمة إنسانية حادة أصلاً. لكنّ إنهاء الدعم الأميركي المحدود للسعودية لن ينهي الحرب للأسف، وحده الحل السياسي قادر على فعل ذلك. وسيحاول فريق بايدن إذاً التوصل إلى حل مماثل إذا لم يُعقَد هذا النوع من الاتفاقيات قبل نهاية العهد الحالي.

على صعيد آخر، سيتراجع بيع الأسلحة في عهد بايدن، لكن سيواجه الرئيس المقبل موقفاً صعباً في هذا المجال، إذ يحاول معسكر اليسار في الحزب الديمقراطي إنهاء جميع عمليات بيع الأسلحة، علماً أن تأثيرها لا يقتصر على الشرق الأوسط بل يمتد إلى شركاء مثل اليابان وتايوان أيضاً. لكن يدرك بايدن في الوقت نفسه أن شلّ قطاع أميركي تنشط فيه سبع شركات إنتاج أميركية من أصل أهم عشر شركات في العالم خلال زمن الانكماش الاقتصادي لن يكون منطقياً.

كذلك، سيشدد بايدن على المنظمات المتعددة الأطراف بدل العلاقات الثنائية أو الشخصية، بعدما ألحق الشرق الأوسط العربي الضرر بنفسه بطريقة مأساوية لهذا السبب تحديداً.

وكان التحالف الاستراتيجي في الشرق الأوسط جزءاً من المقاربات متعددة الأطراف في السياسة الخارجية التي دعمتها إدارة ترامب، فسعى ذلك التحالف إلى إنشاء كتلة من الدول العربية التي تتعاون مع واشنطن لتعزيز الأمن الإقليمي وتشكيل شبكات طاقة عابرة للحدود لزيادة الاكتفاء الذاتي في المنطقة وترسيخ النمو الاقتصادي الإقليمي. لكن بعد مرور سنة على إطلاق تلك العملية، تخلّى بلدان خليجيان عن ذلك المفهوم من دون استشارة الولايات المتحدة أولاً وحاولا استبداله باتفاق يقتصر على موضوع الأمن. وحين وُضِع المفهوم الجديد الذي اقترحه البلدان على رأس جدول أعمال لجنة النواب في البيت الأبيض، جاء الرد سلبياً لأن الولايات المتحدة لم توافق على هذا التوجه. كانت واشنطن تسعى إلى عقد تحالف يزيد العمليات المشتركة في المنطقة ويوسّع الالتزام الأميركي القديم بما يتجاوز مجال الدفاع.

في عهد بايدن، سيستمر الدعم لإنشاء هندسة أمنية إقليمية ومتعددة الأطراف، ويؤيد بعض أعضاء الكونغرس والاتحاد الأوروبي وكبار المسؤولين في الأمم المتحدة نشوء منصة أمنية متعددة الأطراف في المنطقة، لكن تشمل أي رؤية مرتبطة بهندسة مماثلة اليوم تركيا وإسرائيل وإيران.

أي مقاربة مع إيران؟

ولكن، ما موقع إيران من كل ما يحصل؟ لا شك أن السياسة الأميركية تجاه إيران ستكون مختلفة جداً خلال عهد بايدن من حيث التعامل والنوايا، لكنّ الاختلافات الملموسة على أرض الواقع لن تكون بارزة بالقدر نفسه.

ويعرف بايدن جيداً طبيعة التهديدات التي تطرحها طهران، وهو يدرك مخاطر برنامج إيران النووي وتداعيات تصنيعها للصواريخ البالستية ودعمها للميليشيات العنيفة. ويريد بايدن مجدداً أن يعقد اتفاقاً يسمح للمجتمع الدولي بتفتيش منشآت إيران النووية والاطلاع على مخزونها تزامناً مع معالجة السياسات التي تهدف إلى زعزعة استقرار الدول المجاورة لإيران، ويتفهم فريقه استياء دول الخليج لأن أحداً لم يستشرها حول صيغة "خطة العمل الشاملة المشتركة"، ولا يعني ذلك أن الإدارة الأميركية الجديدة ستغيّر مقاربتها بالضرورة بعد التشاور مع دول الخليج، لكنها ستصغي إليها على الأقل.

وسيبدأ فريق بايدن بتقييم مستوى عدم التزام إيران بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة"، لكن إيران أعلنت حديثاً للأسف زيادة تخصيب اليورانيوم بما يفوق الكميات السابقة باثنتي عشرة مرة، وهي تأمل تقوية مكانتها في المفاوضات وتسريع مسار رفع العقوبات عنها. إنه سوء تقدير فادح من جانب واشنطن. ويظن جزء من فريق بايدن الاستشاري في الشأن الإيراني أن "خطة العمل الشاملة المشتركة" لم تتطرق إلى الصواريخ والقوى العميلة في المنطقة، لذا لا بد من معالجة هذه المسائل بالتوازي مع البرنامج النووي وبالشروط التي تناسب الوضع الراهن بدل التمسّك بشروط عام 2016.

ويملك بايدن ستة أشهر قبل موعد الانتخابات الإيرانية في يونيو 2021 لإقناع المواطنين الإيرانيين بأن انتخاب رئيس مستعد للتعاون مع الولايات المتحدة هو خيار يصبّ في مصلحتهم. في الوقت الراهن، ينفّذ النظام الإيراني المتشدد خططاً معينة لحصر المرشحين للرئاسة بمعسكر المتطرفين وإقصاء غير المتشددين من النقاشات المرتبطة بتحديد خَلَف للمرشد الأعلى. يجب أن يفرض المجتمع الدولي كمّاً هائلاً من الضغوط ويجري تدقيقاً فورياً بالمعطيات القائمة لإجبار النظام على إجراء انتخابات عادلة والسماح للمعتدلين بالمشاركة في هذا الاستحقاق.

ويريد القادة المتشددون في طهران أن يكون الرأي العام الإيراني خائفاً من التدابير الأميركية الصارمة حين يقصد الناس صناديق الاقتراع، لذا يفضّلون أن تتابع واشنطن "حملة الضغوط القصوى" حتى شهر يونيو المقبل. وسيطالب المتشددون بتنازلات يعجز بايدن عن تقديمها، منها مبلغ مالي مقابل الخسائر التي تكبدها البلد على مستوى العائدات النفطية. كذلك، من المتوقع أن يماطلوا في الخطط المرتبطة بإجراء المحادثات المرتقبة ويتابعوا شن ضربات صغيرة عن طريق عملائهم لأنهم يعرفون أن هذا النوع من التحركات يُضعِف رغبة واشنطن في التدخل. لكن سيشكّل شهر يونيو المقبل مهلة نهائية حاسمة. في تلك المرحلة، لن يسمح الوضع بإجراء أي نقاشات مثمرة مع إيران بشأن الحدّ من برنامجها الصاروخي أو دعمها لعملائها نظراً إلى انتشار المتشددين هناك في جميع المناصب الكبرى وفي البرلمان. في غضون ذلك، ستتابع إيران زعزعة استقرار المنطقة طوال أربع سنوات بغض النظر عن مصير أي نسخة مُجدّدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة" في الملف النووي.

وعلى الولايات المتحدة وأوروبا أن تتبادلا الوعود بشأن إيران، ويتعين على واشنطن أن تبدأ عملية التواصل بقوة وجدّية، لكن إذا لم يتغير سلوك إيران في المنطقة على المدى المتوسط، يجب أن تتعهد أوروبا بمحاسبة طهران. وتتعدد المؤشرات التي يمكن أخذها بالاعتبار، أبرزها زيادة تمويل "فيلق القدس" أو التأكيد على استمرار الخطط الهجومية أو قمع المساحة السياسية في الدول المجاورة. لتشجيع طهران على تحسين نواياها وخططها، تقضي الطريقة الوحيدة بتبديد الاختلافات بين المواقف الأميركية والأوروبية بشأن إيران.

حماية الخليج من هجمات إيران

يجب أن تختار دول الخليج أفضل سيناريو يناسبها: معارضة التقارب الأميركي الإيراني الذي يلغي بعض العقوبات وقد يسمح لإيران بزيادة ميزانيتها لمصلحة الحرس الثوري الإيراني بعد رفع حظر توريد الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة؟ أم عقد اتفاق لوقف الأعمال العدائية بين دول الخليج وطهران (حيث يتولى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الإشراف على تنفيذ بنوده) وحماية الخليج من هجمات إيران أو عملائها؟ حان الوقت لجعل المحادثات الضمنية علنية وإشراك المجتمع الدولي في هذه الجهود لتقوية الاتفاقيات المحتملة.

وبما أن الولايات المتحدة تملك مصالح دائمة وأهدافاً طويلة الأمد في الشرق الأوسط، قد لا تتعلق أهم التحولات الكبرى في هذه المنطقة خلال عهد بايدن بالجوهر بل بالأسلوب.

كيرستين فونتينروز- ريل كلير