موضوع رئاسة الغانم لم يكن مطروحاً أثناء الحملات الانتخابية وتم انتخابكم بناء عليه، لتدّعوا بأنه مطلب "شعبي"، لكنكم فزتم بالانتخابات لأسباب متفرقة، بل ومتناقضة أحياناً، وحين وجدتم أنفسكم تمثلون أغلبية جديدة تشبه أختها القديمة، قررتم فجأة أنه "شعبي"، والفرق شاسع بين "الشعبي" و"الآني"، لكننا سنتجاوز هذه النقطة.

لكن إذا تجاوزنا نقطة المطلب "الشعبي" وحقيقته، وآمنّا بما جاء به الداهوم، فلا يمكننا تجاوز نقطة الرغبة في الخروج من "دكتاتورية" الشخص الواحد والخضوع لدكتاتورية "الأغلبية"، ومن ثم التغاضي عن كل الإسفاف اللاحق، بدءاً مما جرى في الاجتماعات من إحراج وتسلّط و"تنمّر" على النواب بقصد الحصول على دعمهم وأصواتهم ضد مرزوق، وصولاً إلى جلسة التصويت والتصوير المتسمة بالسخافة التاريخية مع الأسف.

Ad

لا يعيب أي نائب أن يصوّت لمصلحة مرزوق الغانم أو يرفضه لأسبابه الخاصة، أو أن يعلن حياده ويبدي رأياً، كما فعل أحمد الشحومي مثلاً، لكن ما يعيب "الرجل" هو الاتجاه للجهة الأخرى، ومن ثم الفعل عكس القول والتوقيع والاجتماع، وهذا الأمر كان متوقعاً منذ البداية، فالتحالفات السياسية تُبنى على المصالح المترابطة والأهداف المشتركة، لا على الشعارات الفارغة وحَب الخشوم الناقل لـ "الكورونا"، فيتحول فن الممكن عندنا في الكويت مع جهابذة المناورة وأساطين الاستراتيجيات إلى فن للمستحيل وإحراج الذات والرفاق.

فاز الحميدي بالقسَم والغانم بالصندوق، فمثلما أن التشديد على الناس في قوانين تتدخل في خصوصياتهم يجعلهم منافقين، فأغلب -إن لم يكن كلّ- النواب قد أظهر وأقسم ومن ثم أخلف الوعد، رغم كل الضمانات و"الباركودات" والمزايدات التي لا تُصلح النواب، بل تجعلهم مستشرفين، فالإصلاح إن لم يكن راسخاً داخل النفوس فلا يغيّره الماكياج الثوري المؤكد بأغلظ الأيمان، وهذا درس مبدئي مجاني لهم نتمنى منهم الاستفادة منه عند نظرهم للتشريعات الجديدة، فلهذا وعندما كنّا ومازلنا ندعو إلى إبعاد الدين عن السياسة، كي لا يتلوث، كنا نعي ما نقول، فها أنتم تتلاومون وتقذفون الاتهامات على بعضكم البعض في حفلات التخوين والتبرؤ، بعد الجلسة، بمن أخلف وبمن صدق، رغم أن أغلبكم سبق له أن أقسم بما هو أشد وأعظم بمقاطعة الصوت الواحد، وها أنتم اليوم بقاعة عبدالله السالم تعايرون غيركم بقسمه، متناسين في سبيل إسقاط خصمكم أن ضرورات السياسة التي جعلتكم تحنثون بقسمكم هي ذاتها التي دفعت غيركم للسير على نهجكم، و"البادي أظلم" مثل مستقبلنا معكم.

أما إلقاء عبء الفشل على مرزوق في عدم صدق رجالنا لأنه يجيد "التعامل" معهم، فهو إدانة لكم قبل إدانته، كما أن أغلبكم إن لم يكن جميعكم ليس خيراً منه في "الحصول" على أصوات للنجاح بالانتخابات، والبيع والشراء ليس نقداً فقط، فتخليص المعاملات والعلاج بالخارج وتعيين السكرتارية من ضمن الحسبة، فانظروا لأنفسكم بمرآة أخلاقكم المدعاة قبل أن تحاسبوا غيركم الذي ربما لم يفعل سوى ما فعلتم، والجزاء من جنس العمل.

كل أمر قد يهون ويُنسى ويمرّ، إنما ما لم أستطع تقبّله هو كيفية قبول "النائب ممثل الأمة" على نفسه وأمام أهله وزوجته وأبنائه وناخبيه وطلبته أن يقلل من قدر نفسه ويستصغرها بهذا الشكل المخجل، ويرضى بأن يضع نفسه موضع الشك والريبة، بحيث يقبل تصوير وجهه وورقته من أجل أن يحوز ثقة وقبول نواب آخرين هو لا يثق بهم أصلاً، فإذا كانت الثقة المتبادلة واحترام الذات قبل احترام الآخرين مفقودَين منذ البداية، فلا دساتير تنفع ولا قوانين تردع ولا محاكم تمنع.

فهد البسام