واصل المغرب احتفاءه بـ«الإنجاز الدبلوماسي»، بعدما حصل من الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب على إعلان يعترف بسيادته على الصحراء الغربية التي يطالب بها منذ عقود، مقابل تطبيعه العلاقات مع إسرائيل، في خطوة انتقدتها موسكو بصراحة، في حين التزمت الجزائر، التي ترفض السيادة المغربية على الصحراء، الحذر في تعليقها.

وفي أول تعليق جزائري، قال رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد، أمس: «هناك إرادة أجنبية حقيقية اليوم لوصول الكيان الصهيوني قرب حدودنا»، في إشارة إلى تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل، مضيفا أنه «يتعين على الطبقة السياسية والثقافية العمل على استقرار البلاد».

Ad

ولاحقاً أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية أن «النزاع في الصحراء الغربية مسألة تصفية استعمار وإعلان 10 ديسمبر يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة وليس له اي اثر قانوني».

وقالت الخارجية الجزائرية في بيان إن القرار الأميركي بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء ليس له أي أثر قانوني ويتعارض مع جميع قرارات الأمم المتحدة ويقوض كل جهود خفض التصعيد المبذولة إلى الآن.

وأفادت الخارجية بأن موقف الجزائر يستند إلى الشرعية الأممية وضد منطق القوة والصفقات المشبوهة، موضحة أن حل مسألة الصحراء الغربية يرتكز على القانون الدولي والعقيدة الراسخة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.

وكان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة قد اعتبر أن الاعتراف بـ «مغربية الصحراء» هو «اختراق دبلوماسي تاريخي»، في حين أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل «جزء من استمرارية» مرتبطة بـ «خصوصية المغرب من خلال الروابط بين الملك والجالية اليهودية».

وأثار الإعلان الأميركي الخميس، الذي رحبت به إسرائيل، واعتبرته «اتفاقا تاريخيا» ردود فعل متباينة خارج المغرب وداخله. فقد اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قرار تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل «خطيئة سياسية لا تخدم القضية الفلسطينية».

ورحبت فرنسا من جهتها بـ «باستئناف العلاقات الدبلوماسية» بين إسرائيل والمغرب. وكررت موقفها باعتبار «خطة الحكم الذاتي المغربية أساساً لمحادثات جادة وذات مصداقية» لحلّ يجري التفاوض عليه برعاية الأمم المتحدة. من جانبها، أعلنت الأمم المتحدة أن قرار واشنطن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية لا يغيّر موقفها حيال هذه المنطقة التي تعتبرها من «الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي».

كما نددت إيران بتطبيع العلاقات الإسرائيلية-المغربية، ووصفتها بأنها «خيانة للعالم الإسلامي والقضية الفلسطينية» من قبل الرباط.

ورحبت الصحافة المغربية بالاجماع بما وصفته «الانتصار» بنيل الاعتراف بـ«مغربية الصحراء»، في إشارة إلى المستعمرة الإسبانية السابقة التي يتنازع المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر على السيادة عليها منذ عقود. وندد نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، من جهته، بالخطوة قائلا إن «ما قام به الأميركيون خطوة أحادية، خارجة تماماً عن إطار القانون الدولي».

من جهتها، اعتبرت «البوليساريو» القرار الأميركي «باطلاً»، وشددت على أنها مستعدة لمواصلة القتال إلى حين انسحاب القوات المغربية «المحتلة».

ردود فعل داخلية

محلياً، تباينت آراء ومواقف المحللين والنشطاء المغاربة حول الاتفاق. وهناك مَن يعترض على استخدام مصطلح تطبيع العلاقات، على اعتبار أن المغرب ربطته علاقات مع إسرائيل في السابق تمثّلت في وجود مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط، والذي بادر المغرب بإغلاقه عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000. وهناك من يعتبر هذا التقارب «انتكاسة وخيانة للقضية الفلسطينية».

ويرفض المحلل السياسي المغربي حسن بوقنطار الحديث عن تطبيع العلاقات، ويقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط: «العلاقات الإسرائيلية - المغربية ليست وليدة اليوم، فنحن عدنا إلى مرحلة ما بين 1994-2002 حين كان مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط مفتوحاً»، قبل أن تغلقه الرباط بسبب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وأوضح أن «الجنسية المغربية لا تسقط»، وهو ما يُبقي نحو مليون يهودي من أصل مغربي ويعيشون في إسرائيل محتفظين بجنسيتهم المغربية.

وأضاف: «المتغير الآن هو مكسب القضية الوطنية»، في إشارة إلى قضية الصحراء الغربية، التي يعتبرها المغرب جزءا لا يتجزأ من أراضيه، ويتنارع مع جبهة البوليساريو عليها منذ نحو 45 عاماً.

أما بخصوص تداعيات التقارب المغربي الإسرائيلي على القضية الفلسطينية، فقد صرح بوقنطار بأن «بلاغ الديوان الملكي كان واضحاً». وكان القصر الملكي قد أصدر مساء الخميس بيانا أكد فيه أن العاهل المغربي أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أطلعه فيه على فحوى اتصاله مع الرئيس الأميركي، وأبلغه بأن «موقفه الداعم للقضية الفلسطينية ثابت لا يتغير»، كما أكد له أن «المغرب مع حلّ الدولتين، وأن المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي هي السبيل الوحيد للوصول إلى حل نهائي ودائم وشامل لهذا الصراع».

من ناحيته، توقّع محمد بودن، المحلل السياسي ورئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية، أن «يرفع قرار اعتراف أميركا بسيادة المغرب على الصحراء من تأثير الولايات المتحدة في مجمل العلاقات الدولية المتعلقة بالمغرب، وقضية الصحراء المغربية، وسيكرس رؤية سياسية أميركية واضحة حول ملف الصحراء المغربية، تتجاوز دعم مبادرة الحكم الذاتي في مجلس الأمن، والأكثر من هذا سيدفع عددا من حلفاء الولايات المتحدة في العالم للسير على خطاها».

لكن كل هذه التطورات حسب بودن «لن تكون على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، ولا يمكن إلا أن تكون قوة دفع لدعم إقامة الدولة الفلسطينية، حيث إن مواقف المغرب ثابتة ومتأصلة بشأن القضية الفلسطينية، والقيادة الفلسطينية تدرك أهمية الدور المغربي وحضوره التاريخي في الملف، ولذلك فإنها ستتفهم وتراعي هذا التطور وهذه الخصوصية التي يتمتع بها المغرب».

من ناحيته، قال رئيس الوزراء المغربي سعدالدين العثماني، إن بلاده ترفض «صفقة القرن» و«تهويد القدس» رغم تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، مضيفا أن العاهل المغربي أكد للرئيس الفلسطيني أن الرباط تضع «القضية الفلسطينية» بالمرتبة نفسها الخاصة بقضية الصحراء الغربية.

وذكر العثماني في كلمة له ضمن ندوة لمؤسسة «عبدالكريم الخطيب للدراسات والفكر»: «أريد أن أؤكد أن الموقف المغربي عموما يبقى باستمرار داعما للقضية الفلسطينية».

من جهة أخرى، عبّرت منظمات حقوقية، ومنظمات للمجتمع المدني عن صدمتها وخيبتها من قرار التطبيع. وأصدرت جماعة «العدل والإحسان» الإسلامية المغربية بياناً، وصفت فيه قرار التطبيع مع إسرائيل بـ «الفاجعة». كما وصفت «الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة» المقربة من العدل والإحسان الخطوة بـ «المدانة».

أما «الشبكة الوطنية للتضامن مع الشعوب» المقربة من حزب النهج الديمقراطي المنتمي لأقصى اليسار، فقد وصفت اليوم الذي أعلن فيه التطبيع المغربي الإسرائيلي، بـ «الأسود».

ودعت مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين في المغرب، التي تضم أحزاباً عديدة ونقابات، إلى «التعبئة الشاملة على كل المستويات» من أجل «مواجهة موجة التطبيع الجديدة وحماية ذاكرة وموقع وموقف المغاربة الأصيل الداعم لكفاح الشعب الفلسطيني».

ميناء واستثمار

عملياً، دعت وزارة التجهيز المغربية، أمس الأول، إلى تقديم عروض لبناء ميناء في الداخلة، وهي مدينة بالصحراء الغربية المتنازع عليها. تقول الحكومة إن الميناء سيتكلف ما يصل إلى مليار دولار، وسياعد في تعزيز الروابط البحرية والتجارة بين المغرب وسائر إفريقيا.

ونتيجة الإعلان الأميركي، ستفتح الولايات المتحدة قنصلية في الداخلة، الميناء الكبير للصحراء الغربية، في حين سيعيد المغرب فتح مكتب دبلوماسي مع إسرائيل كان موجودا بين عامي 1994 و2002.

وتشمل المفاوضات فتح خط جوي مباشر بين المغرب واسرائيل، حيث يعيش نحو مليون يهودي من أصول مغربية، وأيضاً «العمل من أجل الاستثمار» من الجانب الأميركي، وتطوير «التعاون الاقتصادي» مع إسرائيل.

وقال وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد المغربي، حفيظ العلمي، إن الوزارة ستبدأ غدا اتصالاتها بالمستثمرين الإسرائيليين، خاصة من الأصول المغربية، والذين أبدوا رغبة في الاستثمار في المملكة.

وكشف العلمي في هذا الصدد أن مجالات الاستثمار المتوقع اختيارها من قبل الإسرائيليين تتمثل أساسا في مجال التكنولوجيا والصيدلة والأدوية، إضافة للمواد الفلاحية والالكترونيات وما يتعلق بها وبأمنها.

سلاح

وكانت مصادر مطلعة قد كشفت أن إدارة ترامب أرسلت إخطارا لـ «الكونغرس» بمضيها قدما في بيع طائرات مسيّرة وأسلحة موجهة بدقة بقيمة مليار دولار للمغرب. وقالت المصادر إن الصفقة تشمل 4 طائرات مسيرة من طراز إم كيو-9 بي سي غارديان من صنع شركة جنرال أتوميكس وذخائر موجهة بدقة من نوع هيل فاير، وبيف واي، وجي دي إيه إم. من صنع شركات لوكهيد مارتن وريثيون وبوينغ.

وكانت «رويترز» قد ذكرت، قبل أيام، أن واشنطن تتفاوض بشأن عملية البيع وأنها ستخطر «الكونغرس» قريبا.