تناولت في الجزء الأول من هذا المقال الأحد الماضي ثلاث حقائق دستورية تدحض القول بأن حق الاقتراع حق مطلق، لا يرد عليه أي قيد في سياق الرد على الرأي القائل بالسماح لمرضى كورونا في الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة، وهي:

الحقيقة الأولى: أن حرية الاعتقاد هي الحق المطلق الوحيد في الدستور

Ad

الحقيقة الثانية: أن المادة (80) من الدستور التي قررت هذا الحق، وهي ذاتها التي قيدت هذا الحق بأن يكون "وفقا للأحكام التي يبينها قانون الانتخاب".

الحقيقة الثالثة: أن المادة (82) من الدستور في تحديدها للشروط الواجب توافرها في عضو مجلس الأمة، بأن تتوافر فيه شروط الناخب.

ونستكمل اليوم ما بدأناه في مقال الأحد الماضي بعرض الحقائق التالية:

الحقيقة الرابعة: التقييد المتبادل بين نصوص الدستور

وهو أصل من أصول التفسير لنصوص الدستور، حسبما قررت المحكمة الدستورية في طلب التفسير رقم 10 لسنة 2002 والتي استلهمت قرارها فيه: "أن أصول التفسير توجب إعمال قواعد التخصيص والتقييد المتبادل بين أحكام الدستور، بما يجعل بعضها يفسر بعضا، فالنصوص لا يفهم بعضها بمعزل عن البعض الآخر، وإنما تتأتى دلالة أي منها في ضوء دلالة باقي النصوص.

وهو ما سبق أن طبقته المحكمة الدستورية في طلب التفسير رقم 3 لسنة 1982 الذي قررت فيه أن الحق في السؤال البرلماني ليس حقاً مطلقاً، لا يقيده قيد ولا يحده حد، بل تحوطه ضوابط واعتبارات دستورية، وأن الحق في الرقابة البرلمانية، سؤالا كان أم استجوابا يقف في مقابله حق الفرد في حماية خصوصياته.

وقد غلبت المحكمة الدستورية في هذا التفسير الحق في الخصوصية المستمدة من كفالة الدستور للحرية الشخصية في المادة (30) على كل أدوات الرقابة البرلمانية، التي تعتبر جوهر الحكم الديمقراطي، ومن باب أولى يغلب واجب الناخب في مراعاة النظام العام على حق الاقتراع العام، فيما تنص عليه المادة (49) من الدستور من أن "مراعاة النظام العام... واجب على كل سكان الكويت"، وأن يغلب التزام الدولة برعاية الصحة العامة المنصوص عليه في المادة (12) من الدستور، على حق الاقتراع العام، وذلك وفقا لقاعدة التخصيص والتقييد المتبادل بين النصوص.

المستشار شفيق إمام

الحقيقة الخامسة: حق الاقتراع يقابله واجب دستوري والتزام الدولة

فقد ارتقى الدستور في هذا النص بالتزام قانوني، هو احترام الأفراد للقوانين واللوائح التي تسنها الدولة في صون الأمن العام وتوفير السكينة العامة والعناية بالصحة العامة، وهي المدلولات الثلاثة للنظام العام الى صيرورته، بالنص عليه في الدستور، واجبا دستورياً ليقيد الحقوق الدستورية المستمدة من نصوص الدستور، كحق الاقتراع العام.

ورعاية الصحة العامة التزام على الدولة، نصت عليه المادة (15) من الدستور من "التزام الدولة بالعناية بالصحة العامة وبوسائل الوقاية والعلاج من الأمراض والأوبئة"، وقد صدر القانون رقم 8 لسنة 1969 المتعلق بالاحتياطات الصحية والوقاية من الأمراض،

ويقضي بتخويل وزير الصحة إصدار القرارات اللازمة للوقاية من الأمراض والأوبئة في حالة ظهور وباء بعزل المناطق التي تظهر فيها حالات مرضية، كما أباح القانون لأطباء وزارة الصحة العامة ومعاونيهم دخول المساكن في أي وقت للبحث عن المرضى وعزلهم، وأصدر الوزير قرارات بعزل المصابين بمرضى كورونا.

ويعتبر القضاء الدستوري التدابير الصحية التي تتخذها الدول للوقاية من الأمراض هي إحدى الوظائف التقليدية التي تمارسها الدولة منذ نشأتها بحيث تتفق والمدلول الضيق للنظام العام بمدلولاته الثلاثة: الأمن العام، والصحة العامة والسكينة العامة، قبل أن يتسع نشاطها في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها قيودا طبيعية في الظروف العادية، وأنه في الظروف الاستثنائية يتسع مدلول النظام العام، ليشمل تدابير أشد. (المحكمة الدستورية في مصر15 / 5/ 1976م في طلب التفسير رقم 2 لسنة 2006 قضائية- تفسير).

ومن الطبيعي والمنطقي أن يترتب على عزل مرضى كورونا في الظروف الاستثنائية التي تجتازها البلاد الآن بسبب انتشار وباء كورونا، إيقاف استخدامهم حق الانتخابات، طوال فترة إصابتهم بالمرض.

لذلك لا غرو في أن تخترق قرارات العزل حصون الحرية الشخصية التي كفلها الدستور وحرمة المسكن التي صانها، في المادتين 30 و38 على التوالي، ولم يثر في ذلك أي شبهة عدم دستورية هذا القانون أو عدم دستورية هذه القرارات، وترتيباً على ذلك فإن إيقاف حق الاقتراع لمرضى كورونا يكون من باب أولى.

الحقيقة السادسة: حق الاقتراع يقابله واجب شرعي وقانوني

والواجب الشرعي هنا مستمد من حديث الرسول، عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار"، وقد فرع الفقه الإسلامي على هذا الحديث مبادئ شرعية منها: تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، ودرء المفاسد أولى من جلب المنافع.

وهي المبادئ التي أقام على أساسها الفقه الإسلامي نظرية التعسف في استعمال الحق، والتي أخذها القانون المدني الكويتي عن الشريعة الإسلامية، فيما نصت عليه المادة (30) من أن يكون استعمال الحق غير مشروع إذا انحرف به صاحبه عن الغرض منه أو عن وظيفته الاجتماعية، وبوجه خاص إذا كانت المصلحة التي تترتب عنه لا تتناسب البتة مع الضرر الذي يلحق بالغير، فأصبح الواجب الشرعي واجباً قانونياً أيضا.

الأمر الذي يجب معه على الناخب المريض بكورونا، أن يلوذ بمنزله ممتثلا لقرارات العزل التي أصدرتها الدولة لسلامة الأمة، وسلامة هيئة الناخبين التي تزيد أعدادها على خمسمئة ألف مواطن، من سلامة الأمة، وهم محور الإرادة الشعبية التي تمثل الأمة من خلالهم سيادتها من خلال الاقتراع العام.