بعد تزايد أعداد هجرة المسلمين من أوطانهم اتجه معظمهم إلى أوروبا وأميركا وكندا، واجتهد بعض الباحثين في كتابة بحوث ومقالات ومؤلفات تهتم بكيفية تربية هؤلاء المهاجرين، ومن خلال اطلاعي على بعضها عن طريق الإنترنت رأيت أنها تحمل فكرا تربويا متميزا، فهي من جهة تغرس فيهم حب الوطن الذي هاجروا إليه والإخلاص له والتكيف معه، كما تهتم من جهة أخرى بربطهم بعقيدتهم ولغتهم، بالإضافة إلى إعدادهم مهنيا لتعلم المهارات التي تعينهم على إجادة المهنة التي سيعملون بها، وعاش غالبية المهاجرين في سعادة، وكاد غالبيتهم أن يتناسى وطنهم الأصلي الذي هاجروا منه، والذي لم يوفر لهم حياة كريمة كالتي وجدوها في مهجرهم.

وأضرب مثلا على ذلك، أنني أثناء قضائي فترة الصيف في إسبانيا ولأكثر من عشرين عاما، كان بجانبنا مسجد تعرفت على الإمام وهو مصري الجنسية خريج الجامعة الإسلامية في المدينة، وهو شخص عالي الثقافة تخصص أثناء وجوده في إسبانيا في الأدب الإسباني إضافة إلى تخصصه في الشريعة، وكان يعقد ندوات أسبوعية يعرض فيها مواضيع دينية واجتماعية، ويحضرها أئمة من المدن المجاورة لنا، كنا نستمتع بتلك الندوات ونستفيد كثيرا.

Ad

ولما بدأ التطرف الديني وارتباطه بالإرهاب يظهر في أوروبا سألتهم عن دورهم في مواجهة هذه الظاهرة، فالموضوع خطير جدا ويؤثر سلبا على سمعة الإسلام كدين، وعلى سمعة المسلمين بصفة عامة والمهاجرين بصفة خاصة، فقد تضطر دول أوروبا أن تتخذ ضدهم إجراءات حازمة لحماية أمنها، فأجابوا بأن الموضوع جيد وبحاجة إلى عقد ندوات ومؤتمرات يحضرها متخصصون في علم الجريمة والقانون والتربية وعلم النفس.

تذكرت هذا بعد الجرائم البشعة التي ارتكبت في أوروبا في النمسا وفرنسا، قام بها شباب متطرفون من الجماعات الإسلامية ضد أبرياء ينتمون إلى المجتمعات التي هاجر إليها أسر هؤلاء المجرمين، ووفرت لهم الحياة الكريمة، فمن غرس في هؤلاء الشباب هذه الروح العدوانية والكراهية؟

جماعة الإسلام السياسي وعلى رأسهم الإخوان، هذه الجماعة هدفها الوصول إلى الحكم، ولا يهم أي وسيلة يمكن اتباعها للوصول الى هذه الغاية، فارتكبوا جرائم وحماقات في المجتمعات التي آوتهم وسهلت لهم وسائل الانتشار، وسرعان ما اكتشفت هذه المجتمعات خطورتهم ووصفتهم بجماعات إرهابية، وأبعدتهم عن مجتمعاتها، فقد تسلل أعضاء هذه الجماعة إلى أوروبا رافعين شعار المظلومية الذي يجيدونه حتى يتمكنوا من التغلغل داخل نظامها السياسي، ومن ثم يبدأون ممارسة نشاطهم في إثارة الفتن والقلاقل.

وبعد جريمة فرنسا والنمسا بدأت أوروبا تصنف جماعة الإسلام السياسي وفكر الإسلام السياسي على اعتبار أنه جريمة جنائية، وأعلنت النمسا أنها ستلاحق الأشخاص الذين يقدمون أي مساعدة للإرهاب، لذلك نتمنى أن يتغير فكر بعض النشطاء اليساريين الأوروبيين الذين يوجهون اللوم لبعض الدول العربية على موقفها الحازم ضد هذه الجماعة.