أكد عدد من الخبراء القانونيين أن شرط حسن السمعة في المرشحين يُعد توسعاً قضائياً، لأنه شرط غير قابل للانضباط فقهياً أو قضائياً، لافتين إلى اختلاف مفهوم حسن السمعة من شخص لآخر، والأصل أن يعهد بذلك إلى المجتمع، الذي يختار ممثليه في مجلس الأمة.

وطالب هؤلاء الخبراء في الحلقة النقاشية التي أعدها مكتب أركان للاستشارات القانونية لنشرها في الجريدة بضرورة إنشاء هيئة مستقلة عن وزارة الداخلية وعن المجلس الأعلى للقضاء وعن مجلس الأمة تكون مهمتها الإشراف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، إلى جانب الإشراف على جميع صور الانتخابات في البلاد، ومنها المجلس البلدي، ضماناً لتقليل أخطاء النتائج.

Ad

جاء ذلك خلال حلقة نقاشية نظمتها «الجريدة» عن قانون الانتخاب، وشروط الترشح، والجرائم الانتخابية، ومدى الحاجة إلى تقنين رقابة المحكمة الدستورية على نتائج الانتخابات حضرها د. عبدالله الرميضي أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق، والمحامي والقاضي السابق د. محمد المطيري، والمحامي د. نواف الياسين، وأستاذ القانون الجزائي في كلية الحقوق د. محمد التميمي.

وتضمنت الحلقة ثلاثة محاور تتمثل في الشروط المتصلة بالترشح وفق نص المادة 82 من الدستور والمادة الثانية من الانتخاب واستحداث شرط حسن السمعة، وقانون الانتخاب وطول إجراءات العملية الانتخابية ومدى تسببها في بطلان النتائج أو كثرة الأخطاء بها، ومدى الحاجة إلى تقنين رقابة القضاء الدستوري وصلاحيات المحكمة الدستورية في مسألة بطلان نتائج الانتخاب... وفيما يلي التفاصيل:

المحور الأول: الشروط المتصلة بالترشح وفق نص المادة 82 من الدستور والمادة الثانية من الانتخاب واستحداث شرط حسن السمعة.

في البداية، قال د. عبدالله الرميضي إن المادة 82 من الدستور نصَّت على الشروط الواجب توافرها فيمن يرشح نفسه لمجلس الأمة، ومنها أن يكون كويتيا بصفة أصلية، وتتوافر فيه شروط الناخب، وهي ألا يقل عمره يوم الانتخاب عن 30 عاماً، وإجادة قراءة وكتابة اللغة العربية، موضحا أن المادة الثانية من قانون الانتخاب قررت هذا النص، لكن المادة 19 من نفس القانون أضافت شرط قيد المرشح في جدول الانتخاب.

وذكر الرميضي أن هناك موانع معروفة للترشح، وهي ألا يكون المرشح عسكريا، والمقصود بذلك رجل الشرطة والجيش. أما رجال الحرس الوطني، فيجوز لهم التصويت، لا الترشح، إلى جانب المفلس وفق قانون الإفلاس، إضافة إلى منع ترشح أبناء الأسرة الحاكمة حسبما ورد في المذكرة التفسيرية، وإن كان هذا الشرط محل جدل، فضلاً عن المانع البديهي، وهو عدم توافر السلامة العقلية والجسدية للمرشح.

واستدرك: «لكن القضاء نصَّ في حُكم له على ألا يكون المرشح سيئ السمعة»، مؤكداً أن هذا الشرط جديد، ويحمل مصطلحا مطاطيا وفضفاضا وغير محدد المعالم، إذ يختلف مفهومه من شخص لآخر، فمن يحكم على شخص من خلال ملبسه ومظهره بأنه سيئ السمعة قد يكون ذلك الشخص في نظر آخرين غير ذلك، وقد يكون ارتكاب جريمة بسيطة كافيا ليكون الشخص سيئ السمعة في نظر البعض، وفي وجهة النظر الأخرى لا يكون كذلك، فالمسألة خلافية، وهو ما زاد من صعوبتها.

وأكد أن الجرائم تختلف من محكمة لأخرى، والحكم المذكور صدر في قضية المشاركة بالتظاهرات، إذ اعتبرت المحكمة المشاركين في التظاهرات سيئي السمعة، وبالتالي لا يحق لهم الترشح، لافتا إلى أن ذلك توسع قضائي، وافتئات على النص الدستوري، ويدخل ضمن إطار استحداث قاعدة تشريعية جديدة.

الرميضي: شرط حسن السمعة مطاطي وفضفاض ويختلف مفهومه بين الأشخاص

على مجلس الأمة تشريع قوانين تخدم العملية الانتخابية وتعديل «الصوت الواحد» والدوائر

اجتهاد دستوري

وذكر الرميضي أن القانون مجرَّد قواعد يضعها المشرِّع، ويأتي القضاء ليطبق ما ورد في هذه التشريعات، غير أنه في هذا الحكم صنع شرطا جديدا، ومن ثم تجاوز مهمة القضاء إلى مهمة التشريع.

وأوضح أن هذا الشرط قد يفسر بأنه سيف مصلط ضد مرشحين، وبالتالي سيكون هناك شطب لمرشحين لأنهم سيئو السمعة وفق هذا الشرط، الذي يفترض أن يكون موجودا لدى مَن يتولى الوظيفة العامة.

من جانبه، رأى د. محمد المطيري أن شرط حسن السمعة اجتهدت فيه المحكمة الدستورية، وأشارت إليه في أحد الطعون المعروضة عليها، وأكدت أنه شرط، وإن لم يكن هناك أحكام جنائية ضد المرشح، فإن طبيعة الوظيفة النيابية تستلزم أن يكون النائب متمتعا بسيرة حسنة في المجتمع، وليس لديه ما يمس طبعه، وألا يكون مخالطا لأصدقاء السوء، مستدركا: «لكن من هو الذي يقدِّر حسن السمعة؟ وكيف يقدِّر القاضي حسن السمعة أو سوءها للأشخاص إلا من خلال ما يُعرض عليه من مستندات من وزارة الداخلية وتحريات المباحث؟».

وقال المطيري إن المرشح يتولى المنصب النيابي عبر أصوات الناخبين، وهم يمثلون المجتمع، فإن وجدوا أن هذا الشخص يحمل من الصفات ما يؤهله إلى الوظيفة النيابية اختاروه، لذلك لا خطورة من عرض الشخص نفسه على الناس، لأن المجتمع الذي يتم الاحتكام فيه إلى أن الشخص سيئ السمعة هو مَن سيقوم بالتصويت.

وأعرب عن تحفظه عن دعم مثل هذه الشروط غير المكتوبة، حتى لا ينقلب العمل القضائي إلى عمل تشريعي يضيف نصوصا غير موجودة، ويُدخل العملية النيابية في ربكة.

ورأى أن مثل وضع هذا الشرط هو اجتهاد غير مناسب للعملية النيابية، التي هي معروضة على الناس الذين يقيمون سلوك الشخص، وما إذا كان سيئ السمعة من عدمه، مؤكدا أن ذلك الشرط قد يكون لازما في الوظيفة العامة، لأنها وظائف لا تُعرض على الجمهور.

تعريف المصطلحات

ولفت إلى أن هناك شروطا أخرى يفترض توافرها في النائب، مثل: الصدق والصلاح، لكن «كم نائباً صادقاً في هؤلاء المرشحين، ونحن لا نريد أن نكون أوصياء على الناس، وفي تقييمهم للمرشحين واختياراتهم».

بدوره، أكد د. نواف الياسين ضرورة تأصيل مسألة مهمة، وهي أن بعض المصطلحات يجب ألا تعرف، بل يوكل تعريفها إلى القضاء، مثل: حسن السمعة والآداب العامة والنظام العام، ففي التشريعات المقارنة لا يوجد تعريف لمصطلح النظام العام أو الآداب العامة أو حسن السمعة، ويترك ذلك عمدا للقضاء يحدده، لأنها مسائل متغيرة، وذات طبيعة مجتمعية، فالقاضي من خلال نظرته للمجتمع، وليس من قناعاته الشخصية، يستنبط ما إذا كان الفعل مخالفا للآداب العامة أو النظام العام، أو يترتب عليه صفة سوء السمعة أو حسنها.

ضوابط محددة

ورأى الياسين عدم وجود ضرورة لوضع ضوابط محددة لحسن السمعة والنظام والآداب العامة، لأنها مسائل متغيرة، وتُترك للقضاء، وهو الأمر المستقر عليه في القانون المقارن بالكويت.

وأكد أن القاضي ليس مشرعا، وتلك المسألة مهمة جدا، معتقدا أن الوظيفة العامة مغايرة لوظيفة المشرِّع والعمل السياسي، ومن هنا فإن المقارنة بينهما غير صحيحة.

وذكر أن شرط حسن السمعة ورد في أربعة أحكام أساسية، وكانت سنة 2008 النواة الأولى لمفهوم حسن السمعة، ووضع تعريف مطاط له، مؤكدا أنه لا يجوز للمحكمة الدستورية أن تضع شرطا جديدا، وقد يكون هذا الشرط مهما، لكن يجب أن يوضع من خلال المصدر الطبيعي للتشريعات، وهو مجلس الأمة، كما أن المحكمة الدستورية لم تستقر على هذا الشرط ابتداء، لأنها وضعت مجموعة عناصر لحسن السمعة، بمناسبة قضايا متعلقة بجريمة مخلة بالشرف والأمانة.

الياسين: لا ضرورة لوضع ضوابط محددة لحسن السمعة والنظام والآداب العامة لأنها مسائل متغيرة

يجب إعادة قراءة قانون الانتخاب وبحث مثالبه وإعادة تشكيل المحكمة الدستورية

وقال إن الحكم الوارد في 2008 تحدث عن عقوبة مخلة بالشرف، ثم تحدث عن سوء السمعة، لكن المنطق يقول إن الشخص من الممكن أن يحكم عليه في جريمة مخلة بالشرف والأمانة، ولا يُحرم من ممارسه عمله السياسي والنيابي، ولا يحرم من الترشح، لأن حُكم «الدستورية» فسَّر هذا النص، وعدم النطق بالعقاب هو في حد ذاته إدانة بارتكاب الفعل المؤثر، فتخيل أن شخصاً يُحكم عليه حكما نهائيا وباتا بارتكاب جريمة مخلة بالشرف والأمانة ويمتنع القاضي عن النطق بالعقاب، ويتم ترشح هذا الشخص، وآخر لا يُدان بأحكام، ونتيجة لسوء السمعة لا يُقبل ترشحه، أو يُمنع من الترشح.

وأكد أن التداخل بين محكمتي التمييز والدستورية وعدم الاستقلالية واضح، رغم أن رئيس «الدستورية» هو رئيس محكمة التمييز ورئيس مجلس القضاء، وبالتالي لا توجد استقلالية بين «التمييز» و»الدستورية»، موضحا أن «التمييز» في عام 2019 قررت حرمان الشخص من ممارسة حق الترشح، رغم أن العقوبة الصادرة بحقه هي عدم النطق بالعقاب، وكانت الجريمة هي الدعوة للتظاهر والاعتداء على رجال الأمن ومقاومتهم وسبهم، مؤكدا أن التفاوت في الدعوة إلى التظاهرات توسع في الحكم.

ولفت إلى أن المحكمة الدستورية في حكمين لها في عامي 2013 و2014، أحدهما جنحة تزوير، والآخر جناية تزوير، قررت بمناسبة أن الحكم صدر بعدم النطق بالعقاب، أن الفعل الذي ارتكبه المتهم لا يحول بينه وبين تولي الوظيفة النيابية، رغم أنها جناية تزوير، والمستقر عليه فقها وقضاء أن التزوير من الجرائم المخلة بالأمانة.

نزاهة الانتخابات

ورأى أن «الدستورية» لم تستقرئ قضاء على هذا الشرط، وهنا توسع في القضاء العادي في محكمة التمييز.

من ناحيته، وبسؤاله عن الجرائم الانتخابية، مثل جريمة الانتخابات الفرعية والشق الجزائي المرتبط بها، وأن المحكمة الدستورية لها فلسفة في اعتبار تلك الانتخابات جريمة، لكن الواقع أن لا أحد يُدان بها، قال د. محمد التميمي إن الأنظمة الديمقراطية تعمد إلى استيفاء جميع الإجراءات التي تضمن شفافية العملية الديمقرطية ومخرجاتها الانتخابية. ووفق المحكمة الدستورية، فإن الانتخابات الفرعية مسألة تمس نزاهة الانتخابات ومخرجاتها، والانتخابات الفرعية يُدان فيها المنظم والمشترك والداعي إلى تنظيمها، غير أن المشكلة أن النص القانوني حدد تلك الانتخابات بميعاد زمني، وهو حدوثها في موعد صدور مرسوم الدعوة للانتخابات، لذلك من السهل تجاوز النطاق الزمني لهذه الجريمة بمجرَّد أن تُعقد قبل صدور مرسوم الدعوة للانتخابات البرلمانية، وهذه هي الثغرة في نص القانون.

وذكر التميمي أن النص حدد بالاتهام من نظَّم واشترك ودعا إلى تلك الانتخابات الفرعية، ولم يشمل ذلك المصوتين فيها، والغريب أنه نص محدد بنطاق زمني، إذن فصياغة القانون بها ثغرة، والعلة تشريعية.

المحور الثاني: قانون الانتخاب وطول إجراءات العملية الانتخابية ومدى تسببها في بطلان النتائج أو كثرة الأخطاء بها.

رأى د. عبدالله الرميضي، أن الإجراءات بعضها طويل، ويسبق الانتخاب إجراءات إعداد الجدول وقيد الناخبين في فبراير والطعون عليها، وهي إجراءات معقدة، وقد تتسبب في إبطال الانتخابات من المحكمة الدستورية.

وأوضح الرميضي أن مسألة شطب الناخبين من جانب وزير الداخلية تمثل مصدر قلق لبعض المرشحين، مؤكدا أن الحل هو تشكيل هيئة محايدة مستقلة تقوم بكل هذه الإجراءات، بدءاً من إعداد الجداول، وقيد المرشحين والناخبين، والتأكد من توافر الشروط، وعدم وجود موانع، إلى جانب الإشراف على عملية التصويت وفرز الأصوات، ولا مانع من الاستعانة برجال القضاء، لوضع تصور ومقترح يقضي على جميع هذه السلبيات الخاصة بالعملية الانتخابية، وتكون موضع طعن بعد الانتخابات.

فراغ تشريعي

وأكد أن الكرة الآن في ملعب مجلس الأمة، الذي يجب عليه العمل على تقديم تشريعات وقوانين لسد الفراغ التشريعي، مع الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، ويمكنه الاستعانة بأساتذة الجامعة وأعضاء السُّلطة القضائية والمحامين، لوضع تصوُّر لتطوير العملية الانتخابية والتصويت وعمليات الفرز ومناقشته في أرجاء قاعة عبدالله السالم.

من جانبه، قال د. محمد المطيري عن إجراءات قانون الانتخاب، وهل نحن بحاجة لقانون انتخابات جديد، أم لهيئة مختصة بالعملية، أم آلية تختصر إجراءات الانتخابات، من تصويت وفرز وإعلان نتائج: «لا شك في أن هناك ظاهرة في كل الانتخابات تتمثل بالأخطاء الحسابية للجان الانتخابية، وقد اطلعت في 2008 و2009 على أخطاء ضخمة، وأيضا في 2016 شاركت في نظر الطعون، واطلعت على أخطاء، إذ لا تخلو أي انتخابات من أخطاء الجمع».

أخطاء حسابية ودستورية

أصدرت المحكمة الدستورية العديد من الاحكام القضائية بشأن صحة الانتخابات البرلمانية، حيث اصدرت قبل نحو 10 سنوات احكاماً ببطلان نتائج الانتخابات، وإبطال فوز بعض المرشحين لأسباب حسابية متصلة بعملية جمع الاصوات وأخرى دستورية.

وقررت «الدستورية» عام 2008 بطلان فوز نائبين في الدائرتين الانتخابيتين الرابعة والخامسة بسبب اخطاء شابت عملية جمع النتائج.

وفي انتخابات 2009 ، قررت بطلان عضوية فائز واحد بسبب اخطاء في عملية الجمع، وفي انتخابات مجلس فبراير 2012 ، قررت بطلان الانتخابات لاسباب دستورية نتيجة خطأ في تشكيل الحكومة.

كما قررت المحكمة بطلان انتخابات ديسمبر 2012 لأسباب دستورية، بعدما ألغت مرسوم انشاء لجنة الانتخابات لصدوره بمرسوم ضرورة.

وفي انتخابات 2016 قررت بطلان انتخاب نائب في الدائرة الرابعة وإعلان فوز آخر، بسبب أخطاء في عملية جمع الاصوات من قبل اللجان الانتخابية.

محاضر الفرز

وبيَّن المطيري أن الخلل من بدء العملية الانتخابية في السادسة صباحاً، إذ يخرج القاضي في هذا الوقت ويصل إلى مكانه في اللجنة بالسابعة لبدء فض الأحراز المسلَّمة من وزارة الداخلية، وترتيب الأوراق، وإعداد محاضر الفرز، وهي إجراءات تتطلب على الأقل ساعة من الوقت حتى فتح باب التصويت الساعة الثامنة صباحاً، وفق نص القانون للناخبين للإدلاء بأصواتهم، وغالباً القضاة يتابعون العملية حتى الثامنة مساء، ثم تبدأ معاناة أخرى في الفرز وإعلان النتائج حتى صباح اليوم التالي، وأحيانا حتى الظهر، وهم قضاة وليسوا لجاناً محاسبية لديها القدرة على التعامل مع الأرقام، حتى في الدعاوى العادية التي ترفع لإنصاف العمال وحقوقهم يحولها القضاة إلى لجنة خبراء.

وأكد أن العملية الانتخابية عملية سياسية حساسة، وأي أفكار جديدة تطرح وقت الانتخابات تكون مصدر تخوف الناس، ومن ذلك خطوة الفرز الإلكتروني، التي لاقت استياء كبيرا بين الناس.

ولفت إلى أن الأفكار المستعجلة، وفي غير وقتها، لا يمكن أن تؤدي إلى نتائج سليمة، مستغرباً من أن مجلس الأمة السابق استمر أربع سنوات ولم يبحث مثل هذه الأمور أو ينتبه لأخطاء اللجان القضائية ويُوجد حلولا لذلك.

وأوضح أن هناك حلولاً كثيرة تؤدي إلى ميكنة عملية التصويت بطريقة تحفظ مزايا التصويت اليدوي، إذ بالإمكان الجمع بين الفكرتين، فهناك أجهزة ممكن أن تستقبل خيارات الناخبين داخل اللجان، حيث يتعامل الناخب مع جهاز يتضمن صور المرشحين، وبالتالي يسهل عليه اختيار المرشح الذي يريده، وتخرج له ورقة من الجهاز باختياره، ليضعها في الصندوق الخاص بالأصوات، وبذلك يكون التصويت يدويا وإلكترونيا في الوقت نفسه، لأنه حافظ على دور الناخب، من خلال التأكد من حمل الورقة لاختياره الصحيح، ويقوم هو بنفسه في وضعها بالصندوق، ومن خلال هذا النظام، بعد انتهاء العملية الانتخابية في الثامنة مساء، تظهر النتيجة النهائية بعد خمس دقائق، وإذا كان فيها شك، فبالإمكان الفرز يدويا، لأن الأوراق موجودة بالصندوق.

تحصين الكشوف

وعن شروط المرشحين، قال إن تلك الشروط مُحالة على قانون الانتخاب، الذي نصَّ على أنه يُحرم من الانتخاب مَن ارتكب جناية أو جريمة مخلة بالشرف، لكن هل سمعتم بحرمان ناخب من الانتخاب؟ بالطبع لا، لأن وزارة الداخلية لا تمارس هذا الدور المهم لها، ولا تنقح كشوف الناخبين من فاقدي هذه الشروط، ربما لعدم وجود طاقة استيعابية كافية لديها للقيام بهذا الشيء، وبالتالي تكون هذه الكشوف تحصنت وفق المادة 17 من قانون الانتخاب، إذ تنص على أن هذه الكشوف تُعد حجة قاطعة على الجميع، وإذا تحصنت فلا يجوز حرمان المرشحين من شروط الناخب بعد ذلك عندما يقرر أن يترشح، فلو كان هناك تطبيق سليم للقوانين، لتم تنقيح الكشوف بشكل سنوي، فالمرشحون يفقدون الثقة دائما في المرشح المشطوب، وتهتز فرص نجاحه.

من جانبه، قال د. نواف الياسين عن مسألة تعقيد الإجراءات الانتخابية وأخطاء النتائج: «أعتقد أن إشراف القضاء على العملية الانتخابية هو إشراف غير مستحق، فالقضاء ليس من وظيفته هذا الأمر، حتى في الأنظمة الحديثة بالديمقراطيات القديمة التي نستمد منها فكرة إشراف القاضي على الانتخابات، إذ يفترض أن يتم اللجوء للقاضي للطعن على نتائج الانتخابات، فالقاضي لدينا يشرف على الانتخابات، ثم على الطعن على النتائج في عملية غير مرتبة».

وأكد الياسين أن النظام الناجح في هذا الأمر، هو إيجاد هيئة متخصصة للإشراف ومتابعة العملية الانتخابية في الكويت بكل صورها حتى انتخابات المجلس البلدي، وتكون وظيفة هذه الهيئة هي الانتخابات والإشراف عليها، وتملك الأدوات، وتستطيع التعامل مع كل مراحل العملية الانتخابية، بدءا من تسجيل القيود حتى تشميع الصناديق، وفي ذلك إراحة للقاضي، وضمانة لعدم وجود أخطاء في النتائج، وإعطاء الفوز لمرشح غير مستحق يبطل فوزه بعد سبعة أو ثمانية أشهر، ويحل مكانه مرشح آخر.

وأضاف: «اليوم في مجلس الوزراء تم إقرار المداولة الأولى لقانون إنشاء هيئة للإشراف على الانتخابات، ومن المفترض أن يطرح ذلك على مجلس الأمة في دور الانعقاد القادم».

وأكد أن هناك مشكلة في كشوفات الناخبين، إذ يوجد بينهم متوفون، وبينهم مَن هو محكوم بجريمة أو سيئ السمعة، والمشكلة الأكبر أن يأتي شخص من السُّلطة التنفيذية ويقيد حق مرشح من المفترض أنه سيكون في المستقبل المراقب على عمل السُّلطة التنفيذية، وفي ذلك تداخل في عمل السُّلطات.

وتابع: «إذن هناك خلل واضح أن يكون مصير وصول شخص إلى مجلس الأمة كنائب بيد وزير الداخلية، ولو تم التفكير في الطعن بعدم الدستورية، فسيكون أول الأسباب هو تولي تلك الوزارة الإشراف على عملية القيود والكشوف والانتخاب، وبالتالي فإن ذلك القانون معيب، ويتعارض مع الفكر الدستوري في الكويت».

هيئة مستقلة

وزاد: «باختصار، مطلوب هيئة مستقلة، لا تتبع مجلس الأمة، ولا وزارة الداخلية، ولا المجلس الأعلى للقضاء، للتعاطي مع العملية الانتخابية برمتها، على أن يكون القضاء هو الملجأ الأخير».

وتابع: «كوننا نطعن في الانتخابات ونبطلها، فهو تأصيل للمستقبل، فسوء السمعة، مثلا، صفة لا يمكن رد الاعتبار لصاحبها، وبالتالي فإن حرمانه من الترشح والانتخاب سيكون حرمانا أبديا، وهي عقوبة غير مقبولة من الأساس. ولا مانع من إدخال الأدوات التكنولوجية الحديثة في عملية التصويت، لمساعدة القضاة حالياً، وتجنب الأخطاء».

بدوره، وبسؤاله عن جرائم التأثير على الناخب، مثل تأثير الأب على ابنه أو الزوج على زوجته، والرشوة الانتخابية، وكيف لمنظومة القانون الكويتي مواجهة هذا السلوك المتصل بحرية الناخب، أو يؤثر فــــي تلك الحرية، قــــال د. محمد التميمي: «فيما يتعلق بجرائم الانتخاب كانت المادة 44 من القانون تتحدث عن التأثير على إرادة الناخب، إما بالقوة أو بالتهديد، لكنها لم تتطرق إلى التأثير الأدبي».

رشوة انتخابية

وأضاف التميمي: «أما الرشوة الانتخابية، فهذا ما يُسمى بالمال السياسي، وهي مشكلة شائعة بالأنظمة الديمقراطية، خصوصا في مجتمع يتصف بالملاءة المالية، فالمال السياسي يحرك ويوجه إرادة الناخبين».

وأوضح أن المادة 44 من قانون الانتخاب تحدثت في البندين الثاني والثالث عن الرشوة الإيجابية والرشوة السلبية. أما الإيجابية، فهي تلك التي ترتكب من مقدم المال، والسلبية تكون من الناخب.

التميمي: الاستعاضة عن «الإخلال بالشرف والأمانة» بعقوبة تكميلية تعهد لدى القاضي بالحرمان من ممارسة الحق السياسي
الانتخابات الفرعية تتجاوز النطاق الزمني للجريمة لانعقادها قبل موعد الانتخابات الأساسية

ولفت إلى أنه في جريمة الرشوة الانتخابية ينبغي وجود شرط مفترض، هو أن يكون هناك ناخب تتوافر فيه جميع الشروط القانونية للناخب، فإذا اختلت هذه الشروط، فلا تكون هناك رشوة انتخابية، لكن بناءً على هذا النص لا يوجد شرط مفترض بالراشي، الذي قد يكون هو المرشح أو الوسيط أو طرفا آخر لا علاقة له بالمرشح، وقد يكون من أحد الأشخاص أصحاب النفوذ والمال السياسي الذين يريدون توجيه إرادة الناخبين، وبالتالي ينطبق عليهم نص التجريم في الرشوة الانتخابية.

نصوص كثيرة

وعن مدى كثرة النصوص الجزائية الفاعلة في هذا المجال، وما إذا كان بها قصور تشريعي، قال إنه يعتقد أن التعديل الذي حصل على جريمة الرشوة الانتخابية في قانون رقم 70 لسنة 2003 لم يكن موفقا، فالنص قبل التعديل كان يتحدث عن الرشوة الإيجابية، أي الفائدة التي تقدم من الراشي للناخب، وبعد التعديل استبدل المال بالفائدة، فأصبح المشرِّع يستخدم لفظ المال، فيما بالمادة 44 في الفقرة الثالثة عندما تناول الرشوة السلبية، فقد تحدث عن الفائدة التي يطلبها الناخب، وعندما يتم استخدام المال، فهو أضيق نطاقا من الفائدة، فالأموال إما ثابتة أو منقولة، بعكس الفائدة، التي قد تكون معنوية، ممثلة بمناصب أو ترقيات، أو أبعد من ذلك، كالعلاقات الجنسية.

وأضاف: «وعليه، فإن هذا التعديل كان جسيما بطريقة سيئة، إذ حصر الرشوة الانتخابية في المال، ولم يعممها كما كانت في السابق على الفائدة».

واستدرك: «لكن ينبغي أن تؤخذ الفائدة أيضا بنطاق ضيق، لأن جزءاً من برنامج المرشحين الانتخابي هو الوعد بإعطاء فوائد للناخبين من حيث تحسين أوضاعهم المالية أو الوظيفية، وبالتالي إذا كانت الفائدة هي مجموعة من الوعود الانتخابية لجموع الأمة، فهي لا تدخل في نطاق التجريم، الذي يقتضي أن تكون الفائدة موجهة لإرادة الناخب بطريقة لا تتواءم وشفافية وعدالة العملية الانتخابية».

المحور الثالث: هل نحن بحاجة إلى تقنين رقابة القضاء الدستوري وصلاحيات المحكمة الدستورية في مسألة بطلان نتائج الانتخاب؟

قال د. عبدالله الرميضي إنه من المفترض في أي محكمة، حتى «الدستورية»، ألا تمارس اختصاصها إلا عبر التشريع المنظم لها، وبالتالي يفترض أن يكون ذلك الاختصاص مقننا ومحددا بشكل واضح.

وأضاف أن «الدستورية» يفترض أن تتناول الجانب السياسي، وتوازن بين الواقع العملي وما يفترضه القانون، لتحافظ على التوازن بين السُّلطات داخل الدولة، فلا تصدر حكما في أمور حساسة قد يؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه، ومن هنا «نجد في أحكام (الدستورية) طابعا سياسياً، والمرونة موجودة في أي محكمة دستورية».

وعن إجراءات الانتخابات والأخطاء الحاصلة في النتائج، قال: «أعتقد أن الجهات القائمة على تلك الإجراءات هي التي تقوم بالخطأ، وعندما تلغي المحكمة الانتخابات، فإن ذلك كان لقصور من الجهات القائمة على العملية الانتخابية».

وأكد أن الانتخابات عملية مهمة جدا، وتتضمن اختيار الشعب لمن يمثله في المجلس، والديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب، فإذا كانت تلك العملية تحوم حولها الشبهات، فتلك مشكلة كبيرة، وبالتالي فإن دور المحكمة الدستورية كبير في هذا الصدد، ولديها من التشريعات الكثير، لكن يفترض حسن التطبيق.

من جانبه، أكد د. محمد المطيري أن اختصاص المحكمة الدستورية هو اختصاص استثنائي، لأن الاختصاص الأصيل هو اختصاص المجلس، فالدستور أتاح إسناد الإشراف على الانتخابات إلى المحكمة الدستورية بقانون.

الأعمال السيادية

وأكد المطيري أن أداء المحكمة الدستورية من خلال استقراء أغلبية أحكامها الصادرة أثناء إشرافها على العملية الانتخابية كان جيدا، فقد حمت كثيرا من الحقوق، ورسخت العديد من المبادئ التي ساعدت على سلامة العملية الانتخابية وصيانة إرادة الناخبين، لكن في المقابل هناك أحكام لتلك المحكمة خلقت ردة في العمل الديمقراطي، مثل حكمها في الإبطال الأول، إذ قدمت أسبابا غير مقنعة للحكم، وقالت إنها غير مختصة بموضوع إبطال العمل البرلماني، لكنها حكمت من حيث الشكل، فمن لا يختص في الموضوع لا يمكنه نظر الشكل.

وأضاف: «لماذا يحظر على القضاء تناول الأعمال السيادية، والأعمال البرلمانية جزء من الأعمال السيادية التي لا يجوز للقاضي الولوج فيها، لأنه بطبيعة عمله لا يفهم الأجواء السياسية، وقد يؤدي ولوجه لذلك العمل إلى إحداث أزمات؟».

ولفت إلى أن المحكمة الدستورية ساهمت إلى حد ما في تعطل موكب الديمقراطية وتطورها في البلاد، بسبب الأحكام الأخيرة، وقد يكون من المهم إعادة النظر في دورها، لأنها تبقى هرم الجسم القضائي، ويجب أن تشحذ كل الهمم لصيانة هذا المرفق وتكريس وترسيخ الثقة العامة في أدائه، ومن الأسلم أن يبعد هذا الجسد المهم عن العملية السياسية والانتخابية.

من ناحيته، قال د. نواف الياسين إنه مع تغيير المحكمة الدستورية الحالية، فالموجودة ليست المحكمة الدستورية المنصوص عليها في المذكرة التفسيرية، والتي تتوافق مع النصوص الموجودة بالدستور الكويتي، إذ يجب أن تكون محكمة مستقلة، لكي تحقق الغايات المطلوبة، ومختلطة لتتحقق فيها الرقابة السياسية والقانونية والمجتمعية والاقتصادية، لذا ينبغي التوسع في أعداد أعضاء المحكمة الدستورية واختصاصها.

وأكد الياسين أن دور المحكمة الدستورية يجب أن يتطور بالاستقلالية والتنوع. ومن جانب آخر، فإن قانون الانتخاب أراد للناخب أن يبدي رأيه في الدائرة، وهذا ما يعني أن العملية الانتخابية في القانون والدستور والأدبيات تتحدث عن التعبير عن الإرادة والرأي، وبالتالي ما علاقة بطلان مجلس وإبداء الرأي بصدور مرسوم بحل حكومة لم تستقم صلاحياتها القانونية؟ وهل هذا العيب يمثل ضررا مباشرا على الإرادة؟

المطيري: الشروط غير المكتوبة تقلب العمل القضائي إلى تشريعي وتُدخل العملية النيابية في ربكة

على المجلس القادم تشكيل لجنة ثابتة دستورية وقانونية لمراجعة العمل السياسي والديمقراطي في الكويت واستجلاب الأفكار النيرة

عيوب إجرائية

وأكد أن العيوب الإجرائية التي لا تتصل بإرادة الناخبين ينبغي ألا تتسبب في إبطال إرادة الناخبين، لافتاً إلى أن المحكمة الدستورية قامت في الفترة السابقة بدور عظيم، إذ أسست من المبادئ ما ستستفيد منه الأجيال القادمة، لكن هناك نقطة جوهرية، إذ ينبغي إعادة تشكيلها، وتنويع اختصاصها، وفصلها عن الجسد القضائي، بما يدفع نحو استقلاليتها.

بدوره، وبسؤاله عن فاعلية الأجهزة الأمنية في ضبط الجرائم الانتخابية، من حيث الإشاعات وبث الأخبار الكاذبة، والرشوة الانتخابية والتأثير، قال د. محمد التميمي إن أجهزة الملاحقة الجزائية تمارس دورا مهما في مثل تلك الجرائم، وخاصة جريمة الرشوة، وبث الإشاعات والأخبار المغلوطة، بقصد التأثير على إرادة الناخبين.

وتابع: «في جريمة الرشوة يمكن للأجهزة الأمنية استخدام المخبر السري، من خلال جزء من الناخبين، بشرط ألا تعمد تلك الأجهزة إلى خلق الجريمة، لأن ذلك من شأنه إبطال الجريمة، وإخراجها من الدائرة الجزائية».

وأكد أن تفعيل الرقابة الأمنية على الجرائم الانتخابية بحاجة جدية لمنع تلك الجرائم، خصوصا بث الإشاعات والأخبار الكاذبة لتوجيه إرادة الناخبين، وتحتاج إلى تبيان نطاق قانون الإجراءات الجزائية، مع الالتزام بمشروعية تلك الإجراءات.

توصيات الحلقة

• أكد د. عبدالله الرميضي، أن على الناخب دورا كبيرا في اختيار من يُحسن تمثيله، فمع الأسف تتكرر نفس الوجوه كل مرة، ويأتي نفس النواب الذين لم ينجزوا شيئا على أرض الواقع، وعلى المجلس القادم دور كبير في إعادة النظر بموضوع الدوائر الانتخابية، ونظام التصويت بالصوت الواحد، وقياس سلبياته وإيجابياته، للخروج بنظام توافقي.

• قال د. محمد المطيري إن قانون الانتخاب له صبغة سياسية، ومشكلته أنه قام بمرسوم ضرورة، ولم يحط بكل الآراء المختلفة، فمازالت هناك مشكلة رئيسة تتعلق بمشاركة الناس في نظام انتخابي لم يحظَ بموافقة وتصديق شعبي كبير. وأضاف: «أدعو المجلس القادم إلى تشكيل لجنة ثابتة دستورية وقانونية لمراجعة العمل السياسي والديمقراطي في الكويت، واستجلاب الأفكار النيرة التي يحملها المفكرون الكبار، ومحاولة إيجاد بعض الحلول للمشاكل وتبادل الأفكار مع المفكرين والأكاديميين».

• رأى د. نواف الياسين ضرورة إعادة قراءة قانون الانتخاب، فهو قديم ويجب دراسته، وبحث المثالب الموجودة فيه، إلى جانب إعادة بحث قانون إنشاء المحكمة الدستورية، وقراءته قراءة نقدية لتطويره، فتلك المحكمة جهاز مهم. هذا إلى جانب الحاجة إلى قوة سياسية فاعلة على أرض الواقع تنهض بالعملية الديمقراطية في الكويت.

• نادى د. محمد التميمي بضرورة إلغاء شرط الجرائم المخلة بالشرف والأمانة، لأنه غير قابل للانضباط؛ قضائيا ولا فقهياً، والاستعاضة بإنزال عقوبة تكميلية جوازية تعهد لدى القاضي بالحرمان من ممارسة الحق السياسي في الترشح والانتخاب.