وسط تصاعد الاستياء من الفساد واللامساواة في أنحاء أميركا اللاتينية في عام 2018، بدأ أكبر بلدَين في المنطقة، المكسيك والبرازيل، يتّجهان بشكلٍ متزايد نحو الشعبوية، فاختارت المكسيك زعيمها من اليسار الشعبوي، أما البرازيل، فقررت من جهتها دعم معسكر اليمين وطرحت سياسة معاكسة ومثيرة للاهتمام في المنطقة. نجح الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو في هزم خصومهما بفارق أربعة أشهر وغيّرا المشهد السياسي الإقليمي، وطرحت السنتان الأخيرتان تحديات صعبة على معظم القادة السياسيين، فتوسّعت مظاهر الانقسام السياسي وتفشّى فيروس كورونا في كل مكان وترافق مع تداعيات اقتصادية بارزة.

لكن واجه أوبرادور وبولسونارو في هذه الفترة أيضاً اختباراً صعباً فَرَض تحديات كبرى على معنى الشعبوية التي يمثّلانها، ففي المكسيك، خاض أوبرادور حملته الانتخابية بناءً على وعود مفرطة، فالتزم بقطع علاقاته مع الجهات التقليدية الحاكمة، وإنهاء الفساد، وحتى تغيير النموذج الاقتصادي المحلي بطريقة جذرية خدمةً لمصلحة الفقراء والطبقة العاملة، لكن تثبت النتائج التي حققها في أول سنتَين له في السلطة حجم التحديات التي يواجهها في حُكْم البلد وصعوبة تنفيذ أجندة التغيير التي وَعَد بها.

Ad

في البرازيل، استفاد الرئيس بولسونارو من البيئة السياسية المنقسمة، فأطلق حملة مكثفة ضد فساد المؤسسات وصولاً إلى مقر الرئاسة في قصر "بلاناوتو"، وفي حملةٍ تفتقر إلى المعايير السياسية وتُركّز على الحنين إلى أيام النمو الاقتصادي والأمن الراسخ والنظام العسكري في الماضي الغابر، تصدّى بولسونارو للمسائل الثقافية مثل "إيديولوجيا النوع الاجتماعي" التي اعتبرها طاغية، ولو ضمناً، على المناهج المدرسية التي يتلقاها أولاد البرازيل. لم يطلق بولسونارو عدداً كبيراً من الوعود الملموسة خلال حملته في عام 2018 لأنه لم يكن مضطراً لفعل ذلك، بل هاجم مؤسسات الدولة وطرح نفسه كمنقذ للبلد.

لكن حتى معركة بولسونارو ضد الفساد حققت نجاحاً متفاوتاً. يثبت موقفه الرافض لتجديد "عملية غسيل السيارات"، أي التحقيق الناجح ضد الفساد، أن اقتراب التحقيق من عائلته يجازف بطمس صورته كمحارب أول للفساد.

في الوقت نفسه، أدت الأخطاء غير المقصودة والخلافات الداخلية إلى استقالات متلاحقة من الحكومة، فزاد القلق في الصيف الماضي حين عجز أصحاب السلطة عن إيجاد وزير صحة دائم تزامناً مع احتدام موجة تفشّي فيروس كورونا في البرازيل، وبسبب استخفاف بولسونارو بالفيروس المستجد وسوء التعامل معه بشكل عام وتوسّع مظاهر الكسب غير المشروع بدرجة قياسية، كانت النتائج الصحية مريعة في البرازيل التي سجلت ثاني أعلى معدل وفيات في العالم غداة وفاة 150 ألف شخص بسبب كورونا.

لا يزال الوقت مبكراً لإعلان فشل الطبقة الجديدة من الشعبويين في أميركا اللاتينية، إذ يملك أندريس مانويل لوبيز أوبرادور وجايير بولسونارو وقتاً كافياً في عهدهما لتغيير مسار الوضع، وقد تشهد دول أخرى في هذه المنطقة وصول قادة شعبويين آخرين إلى السلطة، مع أن هذا الاحتمال يبدو مستبعداً حتى الآن. مع ذلك، تثبت الأحداث التي شهدتها المكسيك والبرازيل في السنتَين الأخيرتَين المصاعب المشتركة التي يواجهها هذا النوع من القادة لتحويل الفوز في الانتخابات إلى نجاح في حُكْم البلد. تكثر العقبات المطروحة، منها الفشل في تحقيق النتائج وتوسيع التحالفات داخل الأنظمة السياسية الراسخة، والميل إلى التورط في جدالات سياسية يمكن تجنّبها، وظهور معارضة مقلقة لمحاولات تغيير الأجندات الرامية إلى معالجة الأزمات العاجلة، وما لم ينجح الزعيمان الشعبويان في البرازيل والمكسيك في تجاوز هذه النزعات، فلن تتلاشى مشاكل الحُكْم التي يواجهانها.

* راين بيرغ وأندريس مارتينيز فيرنانديز *