كيف يُعقَل ألا يتخلى أحد عن ولائه له؟ إنه السؤال الأساسي الذي يخيّم على التغطية الإعلامية (في أوروبا تحديداً) للانتخابات الأميركية التي انتظرها العالم أجمع بخليطٍ من الترقب والخوف في آخر أربع سنوات، وبعبارة أخرى، كيف يُعقَل ألا يتضرر دونالد ترامب رغم جميع التجاوزات التي ارتكبها، والمواقف المحرجة التي واجهها، وعنصريته المباشرة وغير المباشرة، وتعامله الكارثي مع فيروس كورونا؟

رغم الراحة العامة في الأوساط الأميركية اليوم، شكّلت الانتخابات الرئاسية خيبة أمل فعلية للولايات المتحدة الليبرالية، فكان عدد كبير من الديمقراطيين يأمل أن يحقق جو بايدن فوزاً ساحقاً ويتعرض الجمهوريون ورئيسهم لهزيمة كارثية، لقد أرادوا أن تكون النتيجة واضحة بما يكفي لاعتبار فوز ترامب في عام 2016 مجرّد استثناء تاريخي ولتنظيف وصمة العار المرتبطة بانتخابه من كتب التاريخ الأميركية، لكن بالأرقام المطلقة، حصد ترامب أصواتاً تفوق ما حقّقه منذ أربع سنوات.

Ad

حافظ ترامب على وضع مستقر طوال هذه الفترة بسبب الانقسام الحاد في الولايات المتحدة ونشوء جماعات تقليدية في السياسة والمجتمع معاً: بدأت هذه الظاهرة قبل ظهوره على الساحة السياسية بوقتٍ طويل. وصل ترامب إلى البيت الأبيض غداة شيوع سياسة تدميرية على مر ثلاثة عقود من الحرب الثقافية قبل عهده.

معركة من أجل الروح الأميركية

كان الخطاب المدني قد بدأ يتآكل بدرجة كبيرة منذ وقتٍ طويل، وأصبحت الخطابات العنيفة معياراً شائعاً، فاتخذ الجمهوريون منحىً جامحاً على المستويَين الأخلاقي والفكري قبل ظهور ترامب بوقتٍ طويل، وباتوا شبه مدمنين على الانتقادات والمواقف الغاضبة كتلك التي تطلقها قناة "فوكس نيوز" والبرامج الحوارية الإذاعية، كان تفاقم الانقسام السبب أيضاً في استمرار دعمهم لترامب: اعتبر الأميركيون المحافظون تجاوزاته الهائلة تافهة مقارنةً بالمسائل التي يجازفون بخسارتها في المعركة الكبرى على جوهر الروح الأميركية.

يرتبط عدد كبير من الجمهوريين بعلاقات مصلحة مع الرئيس أكثر مما يظن البعض، ويدرك الكثيرون أيضاً أن ترامب خيار سيئ لكنه محسوب عليهم على الأقل، وفي خضم لعبة السياسة الأميركية الوحشية المبنية على مبدأ "لا غالب ولا مغلوب"، شعر هذا المعسكر بأن سحب دعمه من ترامب يعني مساعدة خصومه الكريهين بكل بساطة، ونظراً إلى توسّع الظاهرة التي يعتبرها الكثيرون صراعاً وجودياً، كان الجزء الأكبر من السبعين مليون ناخب من داعمي ترامب سيصوّت لأي مرشّح جمهوري، مثلما كان الديمقراطيون سيصوتون لأي مرشح عن الحزب الديمقراطي.

بدأ الناخبون الإنجيليون وأصحاب البشرة البيضاء من الطبقة العاملة يميلون إلى تأييد الحزب الجمهوري قبل عقود من ظهور ترامب، وحتى مدير صندوق التحوط ميت رومني فاز بأصوات انتخابية أكثر من باراك أوباما وسط هذه الفئات في عام 2012، مع أن مواصفاته لا تتماشى مع هذه الجماعات، على عكس ترامب وأسلوبه الهجومي المُرضِي.

لم يكن ترامب مهندس أي تحالف جديد من الناخبين أو العقل المدبر وراء حركة جديدة، رغم حاجته إلى إظهار نفسه بهذه الصورة. بل إنه استكمل بكل بساطة نزعة كانت قد بدأت منذ فترة طويلة ثم أضفى طابعاً متطرفاً على عنصرَين منها: سياسات الهوية البيضاء، والشعبوية المعادية للمؤسسات، لكن لم يكن أيٌّ من الظاهرتَين جديداً ولهذا السبب يستطيع الحزب، بدعمٍ من نتائج الانتخابات، أن يتابع مسيرته كالسابق رغم رحيل ترامب.

يبرز أيضاً عنصر حزبي آخر له رابط شخصي ومتطرف بترامب نفسه، ولا يمكن تفسير هذه العلاقة حصراً عبر الإيديولوجيا التقليدية التي يحملها الحزب. تتألف هذه الجماعة من الأميركيين الذين يمجّدون ترامب باعتباره قدوة عظيمة، وفي وسائل الإعلام، يُشار إليهم بشكلٍ متكرر ومُضلِّل كنموذج من "ناخبي ترامب"، وقد كسب هذا النموذج شعبية واسعة بفضل البرامج الحوارية الأميركية الليلية التي حرصت دوماً على التمييز بين أسوأ الأغبياء والحشود التي تشارك في تجمّعات ترامب الحزبية، فكانت تُصوّرهم بكل سرور وهم يتكلمون عن منافع حَقْن الناس بالمطهرات لمكافحة الوباء.

شعبوي، لا منقذ!

من الواضح أن ترامب يتكل على هؤلاء الأشخاص في الوقت الراهن لنقل الصراع إلى الشارع نظراً إلى تراجع فرص نجاحه في الطعون القانونية، وقد تنجح هذه المقاربة فعلاً، ومع ذلك لن يكون اعتبار هذه الجماعة طائفة بحد ذاتها تصنيفاً دقيقاً.

في التغطيات الإعلامية، لا يزال ترامب يُصوَّر في معظم الأحيان وكأنه المنقذ التوتاليتاري المنتظر الذي يشبه شخصيات شائعة في فصول قاتمة من تاريخ البشرية. هذا هو خطاب الزعيم الجماهيري بحسب وصف عالِم الاجتماع الألماني الراحل ماكس فيبر: إنه الزعيم الذي يتكل على ثقة أتباعه بـ"صفاته الاستثنائية"، ومسؤول يرسله "التاريخ" أو "الرب" أو "العناية الإلهية".

لكنّ علاقة ترامب بقاعدة ناخبيه تبدو أكثر تماشياً مع مبادئ الولاء الشعبوي، فوفق هذا المفهوم، لا تتعلق الميزة الأساسية بالظواهر الاستثنائية بل المألوفة، ورغم الأهمية الكبرى التي يعطيها ترامب لنفسه، لا يحبه أنصاره ويتعلقون به لأنه مختلف عنهم بل لأنهم يرون انعكاسهم الشخصي فيه، فهم يظنون أنه يتكلم ويفكر ويشعر مثلهم.

الزعيم الشعبوي لا يكون مُرسَلاً من الرب مباشرةً، بل إنه تجسيد حي لأتباعه، فيتكلم هؤلاء ويتصرفون من خلاله، وتزامناً مع توسّع شعبية ترامب، كان هذا الأخير يكسب كرهاً وازدراءً متزايداً من المؤسسات التي يعتبرها أتباعه المتطرفون الأكثر إصراراً على إهانتهم والاستخفاف بهم، أي وسائل الإعلام والنُخَب الأكاديمية وهوليوود. نتيجةً لذلك، حقّق ترامب ما يحلم به جميع الزعماء الشعبويين، أي أن يشعر أنصاره بأن كل هجوم ضده هو اعتداء عليهم شخصياً.

برأي أعضاء هذه الجماعة، يُعتبر ترامب رمزاً أولياً لمعركتهم الرامية إلى إثبات الذات، لكن الرموز تكون قابلة للاستبدال دوماً وقد يحصل ذلك بوتيرة أسرع مما نظن، ففي النهاية، كانت وسائل الإعلام مسؤولة عن تحويل ترامب إلى ما هو عليه من خلال تقاريرها عنه في بداية ترشّحه الرئاسي الذي بدا فاشلاً في المراحل الأولى، ثم بفضل الحرب اليومية التي شنّها ترامب ضد الجهات الإعلامية، كان هذا الصراع أبرز عامل جعله يحافظ على وضع مستقر.

لكن تبرز اليوم فكرة يصعب تخيّلها وتتطلب بضعة أشهر قبل تبلورها على أرض الواقع: في مرحلة معينة بعد نهاية هذا العهد الرئاسي، أي حين يتّضح لنا أن ترامب لم يعد يقبع في البيت الأبيض، سنتوقف أخيراً عن التهافت على كل تغريدة يكتبها. من المتوقع أن يخسر جاذبيته سريعاً حين يصبح الرئيس الأسبق للبلاد.

ملك المستنقع

سيتابع الحزب الجمهوري مساره السابق في مطلق الأحوال، وفي الأيام الأخيرة، انتشرت فكرة مفادها أن عهد ترامب الرئاسي لم ينتج إلا الفاشلين، لكنها فرضية خاطئة، فلا يستطيع إلا رجل واحد في واشنطن أن يراجع أداءه الأخير ويشعر بأعلى درجات الرضا عن الذات: إنه زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل. قد يحمل هذا الرجل ملامح لطيفة وودّية، لكنه بلا أدنى شك من أبرع السياسيين وأكثرهم صرامة في العاصمة واشنطن.

حين اتّضح في عام 2016 أن حملة ترامب بدأت تكسب زخماً متزايداً وراح عدد من أعضاء الحزب الجمهوري يفكر باتخاذ خطوات محفوفة بالمخاطر منعاً لتنامي نفوذه، رفض ماكونيل الانضمام إلى هذا المعسكر، وكان يظن أن ترامب يسهل التحكم فيه في حال وصوله إلى البيت الأبيض وافترض أنه سيوقّع جميع الأوراق التي يضعها الجمهوريون على مكتبه.

شعر الكثيرون في تلك الفترة بأن ماكونيل ساذج لأقصى الدرجات واعتبروه نسخة معاصرة من السياسيين المحافظين في عصر فايمار، فقد ظن هؤلاء أنهم يستطيعون إبقاء أدولف هتلر تحت السيطرة لكن سرعان ما سحقتهم حركته الجارفة.

بالعودة إلى الولايات المتحدة، تبدو الحقيقة مختلفة، فقد نفّذ ترامب أجندة الحزب الجمهوري عبر تخفيض الضرائب والسعي إلى إلغاء القيود وتعيين مجموعة من القضاة المحافظين بناءً على اللائحة التي أعطاها له الحزب، وقيل على نطاق واسع إن ترامب هو من سيطر على الحزب الجمهوري، لكن يسهل إثبات العكس أيضاً.

اليوم، يبدو وكأن ماكونيل نجح أيضاً في الدفاع عن مكانة الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، فإذا استمر هذا الوضع بعد الجولة الثانية من الانتخابات في جورجيا في يناير المقبل، فسيقوم ماكونيل بأكثر ما برع فيه بين عامي 2010 و2016، فيُصعّب حياة الرئيس الديمقراطي لأقصى حد ويعوق جميع القرارات، لكنه سيفعل ذلك بدعمٍ من أغلبية المحافظين في المحكمة العليا هذه المرة. إذا لم يغرق البلد في أعمال العنف (لا يرغب ماكونيل في حصول ذلك طبعاً لأن هذه الأحداث ستؤثر على مؤشر "داو جونز" الصناعي)، يعني ذلك أن رهانه على ترامب نجح بالكامل.

بحلول عام 2024، من المتوقع أن يدعم ماكونيل المرشّح "الشعبوي" المقبل الذي يدعو إلى إحداث ثورة ويتعهد بتطهير "واشنطن" وتنظيف "المستنقع"، لكنّ هذا الوضع لن يزعج ماكونيل كثيراً، ففي النهاية، لا أحد يعرف طبيعة المستنقع الأميركي أكثر منه!

*توربين لوتجين