من "هليل" إلى هلال ملك اللؤلؤ وأغنى اغنياء الكويت، ومن فتى بسيط فقير شبه معدم جاء من عمق الصحراء القاسية باحثاً عن واحة عمل يرتزق منها هنا بالكويت، إلى أن يكون بذاته أسطورة في الثراء نُسِجت حوله أساطير عن ثروته من اللؤلؤ والمال.

لم تكن من هذه الأساطير في تلك الأيام من نهايات القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين مشروعات حكومية تطرحها الحكومة فيقوم الشاطر هلال بضبط أموره مع مؤسسة الحكم وإداراتها فتُرسى عليه المناقصة ويُدسّ في جيبه "المعلوم" من خيرات ربي، لم يستحوذ الفتى "هليل" على وكالة أجنبية ليقوم بتوزيع منتجاتها ويقبض العمولة حسب قانون ليس له من غرض غير إثراء "الشطار" من أبناء الوطن ليحتكروا سلعة ومنتجاً ويصبحوا "مليونيرية" وهم متكئون على وسائد الراحة تهطل عليهم الأموال من سماء النفط الداكنة دون عمل ولا جهد. طبيعي لم يكن في زمن المعاناة القديم (ولعل ذلك الزمن يعود بأسوأ مما كنا عليه إن ظلت الإدارة السياسية المالية على حالها) غسيل أموال، ولا كفالات لعمالة، أو سوق اتجار ببشر، تُحرك هلال عبر محسوبياته وعلاقاته المتشعبة ليكفل الآلاف ويقبض من عرقهم وشقائهم ويسير حراً بطلاً من غير محاسبة... لم يكن هلال ولا رفاقه يعرفون دروب الخراب والاتكال والفساد.

Ad

عمل ذلك البدوي بأبسط الحرف، ثم تعرف على طواويش ( تجار اللؤلؤ) سبقوه، مثل شملان بن علي السيف وإبراهيم المضف، وهما من رفاقه، ولم يمض وقت طويل حتى أصبح طواشاً ثرياً مثلهم، بل أغنى منهم، ومن كل فرد في ذلك المجتمع الصغير.

كانت أحلاماً لا أوهاماً، رآها هلال في منامه ويقظته وأحرق سنين عمره كي يحققها، وكان له ما أراد في حلمه بعمل ومعاناة، كيف خلق هذه الثروة؟ ليس عبر فرك مصباح علاء الدين، ففي زمنه لم تكن هناك مصابيح يملكها القلة بمصادفة الميلاد يفركونها فينزل عليهم المارد النفطي الريعي مجلجلاً بصوته: شبيك لبيك أموال الدولة بين يديك... هناك خرافة من بعض الخرافات يصدقها بسطاء ذلك الوقت أنه في يومٍ ما خلع ملابسه ونزل البحر ليستحم قليلاً، وحين عاد وجد دانة (لؤلؤة كبيرة) عند ثوبه.

في حرب الجهراء لم يتردد هلال في تمويل وإرسال حوالي 200 فارس من عشيرته الدياحين للوقوف مع أهل الكويت، ضد الإخوان، وعدد كبير منهم ينتمي لقبيلة مطير بزعامة الدويش، وهي القبيلة الكبيرة التي ينتمي إليها هلال، كان الانتماء الوطني أقوى وأهم من الانتماء القبلي، بعد ذلك وبوساطات هلال ورغبة الإخوان في التفاوض، تم اللقاء بين هلال وبعض الإخوان في قهوة بوناشي (يعني ستاربكس تلك الأيام) ولم تنجح المفاوضات... وفضل المفاوضون الذين يمثلون الإخوان البقاء في ضيافة هلال.

حين رفض مع رفيقيه شملان بن سيف وإبراهيم المضف زيادة ضريبة اللؤلؤ ( القلاطة) التي فرضها الشيخ مبارك هاجروا إلى البحرين احتجاجاً، استرضاهم مبارك وبعث إليهم ابنه سالم ليتوسط عندهم، ولكنهم رفضوا خشية الانتقام، حتى انتهت الأمور فيما بعد بتعهد الشيخ مبارك ذاته لهم بإلغاء الضريبة، وكيف لا يستميلهم الشيخ مبارك حين نعرف أن ضرائب تجارتهم هي بئر برقان ومن أكبر مصادر الدخل العام؟!

لنختم بهذه العبرة، حين التقى الشيخ مبارك مع هلال، بعد الصلح، سأله الشيخ مبارك: لماذا ترددت في قبول تعهدي؟ كان رد هلال "أنا رجل عادي وأنت الحاكم، ولذلك لابد من الحذر"! أدرك هلال أن سطوة المال مهما نمت لا يمكن أن تتحدى سطوة الحكم المدججة بالسلاح، فلا مؤسسات ولا قوانين ضامنة يمكن أن تحمي الفرد.

في كتاب "رجل من مهد الذهب... هلال فجحان المطيري... دراسة وثائقية" هناك معلومات كثيرة مستمدة من الوثائق البريطانية عن حكاية ملك اللؤلؤ، قامت حفيدته السيدة عادلة الساير، وصديقتها السيدة فريال الفريح، بالإشراف عليه وتجميع مواده، فلهما الشكر.