في مقال مميز بعنوان "صناعةٌ لبنانية جديدة لمُصطَلَحاتٍ سياسيّة" يلقي سفير لبنان السابق في الكويت جان معكرون، الضوء على فرادة الأدبيات السياسية اللبنانية، وغرابة ما يحتويه القاموس السياسي من مصطلحات قد لا تمت للواقع ولا الدستور ولا القيم بصلة! وهي، رغم اعتياد اللبنانيين على سماعها، تبقى موضع استهجانهم ومدعاة تهكمهم ومصدر قلقهم في بعض الأحيان.

ففي جانب من جوانب "الإيتمولوجيا" (علم أصول الكلام) تشكل المقارنة بين الصيغ والدلالات مدخلاً مناسباً لدراسة المجتمعات وحقيقة المؤسسات وطبائع المجموعات، ومن غير أي جهد قد يبذل في هذا السياق يدلل هذا العلم على حجم التناقض بين خطابات معظم الطبقة السياسية اللبنانية والواقع الصعب الذي يعيشه اللبنانيون، فكم أصيب الدستور بمقتل باسم "الميثاقية" أو "المحاصصة"! وكم انتهكت حرمة الوطنية بعبارة "الانقسام العمودي"! وكم تأصلت الطائفية بشعبوية "استعادة الحقوق" وشمّاعة "التوازن" وابتذال مقولة "عالسكين يا بطيخ"! وكم تعطلت حكومات باسم تقاسم الحقائب "السيادية والخدمية والوازنة"! وكم تعرّت العدالة والمساواة ببدعة فرد "الغطاء" ورفعه! وكم تمادت "الزبائنية" في فضاء "قبّ الباط"! وكم استغلت عبارات "لا نملك ترف الوقت" و"دقة المرحلة" و"الظروف الصعبة والاستثنائية" لتمرير الصفقات وممارسة الموبقات! وكم اعتمد أسلوب "الهروب الى الأمام" لبناء الحواجز التي تعوق عمل المؤسسات! وكم هلّلت الخطابات لفلان كرجل دولة "بامتياز"! وكم سّوق الإعلام لعلّان كـ"منقذ وطاقة استثنائية"! وكم أتت "المحادل" والـ"بوسطات" بنواب وشخصيات لا يمثلون من انتخبهم! وكم وضعت "العصي في الدواليب" لتعطيل أدنى مقومات الحكم الرشيد! وكم، وكم، وكم!

Ad

الواقع أن هذه العبارات الدهماوية "الديماغوجية" وغيرها مما لم يذكر، ليست بدعة مستحدثة؛ بل هي استكمال لسياق متصل ولسنّة متّبعة- بحسن أو بسوء نية- من كثير من سياسيي لبنان منذ فجر الاستقلال إلى تاريخه، وهذا ما استدعى إلى ذاكرتي محاضرة سبق لي أن ألقيتها بين جمع من المهتمين بالشأن العام بعنوان "لا أبيض، لا أسود"، استعرضت فيها منطق التسويات الذي يسيطر على الشأن اللبناني في كل المفاصل والمراحل وعلى كل المستويات السياسية والدستورية والاجتماعية، وفي أيام الحرب كما في أزمنة السلم!

ففي لبنان، حيث الأزمات السياسية هي القاعدة، يكون الرجل الاحتياطي هو الأساس! وفي المباريات المهمة والصعبة والحساسة، عندما يدخل لاعب الاحتياط الملعب يكون الأكثر نشاطاً بين اللاعبين المتعبين، فينتظر منه المدرب والجمهور تغيير النتيجة وتسجيل الأهداف حتى لو كان لاعباً في مركز الدفاع! فبمنطق "اللامنطق" قد تلحظه مهرولاً في مقدمة الصفوف المهاجمة وبعد ثوان قد تراه ثابتاً في آخر معاقل الدفاع! وهكذا كان "الحاج" حسين العويني، الرئيس الاحتياط في خمسينيات القرن الماضي، حيث استدعته الظروف السياسية لتشكيل الحكومة اللبنانية عدة مرات عند بروز الحاجة لـ"وسطي" يستطيع "تدوير الزوايا" ويقدر على الجمع "بين المتناقضات".

اشتهر لـ"دولة الحاج" عبارة "هيك وهيك" التي وصف من خلالها الوضع بوجود أقطاب سياسة متعارضة في حكومة واحدة، وبالرغم من أن عبارة "الحاج" الشهيرة كانت تؤخذ على الوجه الإيجابي للتعبير عن نجاحه بتجاوز الخلافات والقفز فوق التناقضات من أجل المصلحة الوطنية العليا فإن هذه العبارة ومنطق العمل بها يشكلان امتداداً طبيعياً لمنطق "التسويات" التي يجاهر بها السياسيون ويفاخر فيها اللبنانيون منذ تأسيس جمهوريتهم، رغم أنها في واقع الأمر لم تصل دوماً بلبنان ولا بشعبه إلى المأمول من الاستقرار ولا إلى المرجو من الإعمار والازدهار!

إن تاريخ وحاضر السياسة اللبنانية يضجّان بمنطق الـ"هيك وهيك" ويعجّان بنهج الـ"إيه واللأ"، لدرجة أنهما أثّرا حتى في منطق الشخصيات الإقليمية والدولية التي تقارب أو تقترب من الشأن اللبناني، فلم يكن مستهجناً، والحال كذلك، أن نسمع في عام 2006 من أمين عام جامعة الدول العربية السابق عمرو موسى تصريحاً عن "تشاؤله" بنتائج مساعيه التوفيقية بين الحكومة والمعارضة حيث لم يخرج خالي الوفاض لدرجة التشاؤم، ولم يمكّن من تمرير حلوله ليعلن التفاؤل، وفي السياق نفسه لم يكن مستغرباً أن يطالب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في 2020 بضرورة تشكيل حكومة اختصاصيين "جامعة" يتوافق على تشكيلها جميع الفرقاء السياسيين.

كل شيء في لبنان، البلد "المتوسطي" واقعاً وجغرافيا، يعلّق على شمّاعة "الوسطية" ويدور في فلك "الديمقراطية التوافقية"، وكل المأزومين فيه محلياً أو إقليمياً يتلطون هروباً خلف ستار "النأي بالنفس"، وكل المتعبين يتمسكون بالـ"حيادية" كخشبة خلاص، وكل المغبونين ينادون بـتطبيق"التوازن" فعلاً لا قولاً؛ و"كلن يعني كلن"- بحجة المحافظة على "الخصوصية" المذهبية أو المناطقية أو الوطنية- يسلكون درباً ملتوياً، مشحوناً بالمفاجآت، غير واضح المعالم وغامض المآلات والنهايات؛ يسوده اللون الرمادي حيث يصعب تمييز الخيط الأبيض من الأسود!

حدود هذا البلد البرية والبحرية تتأرجح على وقع أولوية الترسيم شرقاً أم جنوباً وبين "خط أزرق" وبحر أزرق يبشّر بالغاز والنفط! حروبه تنتهي بشعار "لا غالب ولا مغلوب" وبهزائم ترفع بعدها علامات النصر! المواطنة فيه لا يحكمها قدر "العيش الواحد" بل إرادة "العيش المشترك" التي تفرض التقاء أحفاد الفينيقيين بورثة الخلفاء الراشدين. هويته الاقتصادية تتباهى برأسماليتها الحرة في حين تعاني واقعياً من تحالف "المال والسلطة" ولعبة الاحتكار والفساد وتقاسم الحصص التي يتقنها جيداً أهل الحل والربط، وفي الفترة الأخيرة التي يشهد فيها اللبنانيون أزمة مالية واقتصادية خانقة، يبتدع السياسيون وأزلامهم في عالم المال والمصارف عدة أسعار لصرف العملة الخضراء تفرّق بين الدولار "الرسمي"، والدولار "البنكي" والدولار "الطلابي" التي تختلف حتماً عن دولار "السوق السوداء"!

أما الدستور فحاله كحال الدولة، هيبته مفقودة وبنوده مستباحة وتفسيره عادة ما يكون "وجهة نظر" تحفظ ماء الوجه لهذا الطرف أو ذاك. وكذلك عقده الاجتماعي، فهو قائم على "ميثاق" خرج من (قبعة بشارة الخوري "الفرنجيّة" الغربيّة الأجنبيّة، وطربوش رياض الصلح "العربي" الشرقيّ)- على قول الكاتب الصحافي جورج علم- واستمر بـ"وثيقة الوفاق الوطني" التي صنعها توافق دولي-عربي على وضع حد للحرب الأهلية اللبنانية وتسليم زمام الأمر فيه للموالين لكل من المملكة العربية السعودية وسورية وفق معادلة "السين والسين".

وفي تشكيل الحكومات، قد يبذل المرء جهداً استثنائياً لتوصيف مشاركة الفرقاء بالحصة "الضامنة" أم "المعطلة"! كما لا شك أنه يقف مذهولاً أمام بدعة "الوزير الملك" الذي "يملك ولا يحكم" والذي يحظر عليه ترجيح طرف على آخر بالتصويت داخل مجلس الوزراء. أما عن "مداورة الحقائب" بين ممثلي الطوائف فحدث ولا حرج! وقد تأنف النفس عن التفكير كيف تصبح "وزارة الزفت الانتخابي" أهم من وزارة البيئة في لبنان الأخضر!

الوفاق، التوافق، التوازن، الميثاقية، حقوق الطوائف والمناطق... كلها مصطلحات جعلت من حكومات "اللون الواحد" سابحة في فضاء الفشل، كما حوّلت حكومات "الوحدة الوطنية" عاجزة في ميدان العمل! والأغرب من كل ذلك، واقع البنية الحزبية اللبنانية؛ فاليسار يتحالف مع اليمين، والقومي يختلط بالوطني!

معظم الأحزاب اليمينية أبعد ما تكون عن قيم المجتمع وتقاليده وعن الوطنية ومفرداتها، أما الأحزاب اليسارية فلا عجب إن قادها ثري أو تحكم فيها إقطاعي أو انتسب إليها طائفي! التيارات العلمانية ينادي أصحابها بمناصب طائفية والجماعات الدينية تدخل في توازنات وتحالفات تتناقض حتماً مع أبسط التعاليم السامية! أحزاب السلطة الحاكمة تتحول ببرهة الى "ثائرة"، وتقاتل المعارضة من أجل مشاركة الموالاة في منصب وزاري أو قيادي!

إذا اتفق الفرقاء فإنهم يتفقون على الشعب لا من أجل مصالحه، وإن اشتد خلافهم على تقاسم الحصص والغنائم، فإن الطاولات المستديرة ولقاءات "الحوار" و"التشاور" تكون جاهزة في "المنطقة الوسطى" سياسياً وفي "وسط البلد" جغرافياً، وذلك دون أدنى اعتبار للمؤسسات الدستورية ولا لآليات الديمقراطية الحقيقية، ولا لإرادة أو صوت الشعب!

صحيح أن لبنان كان وما زال كطائر الفينيق الذي تقيمه الأسطورة دوماً من بين رماده، ولكن المشكلة أنه من كثرة ما اشتعل ودفن صار لونه كما كل شيء فيه رماديا؛ فمن "لكم لبنانكم ولي لبناني" إلى "Hi، كيفك، Ca va"، مروراً بلبنان "ذي الوجه العربي" و"عربي الانتماء والهوية"، اعتمد اللبناني كما ساسته أسلوب حياة يوازن بين الـ"تعريب" أصلاً والـ"تغريب" طموحاً، فنجح لبنان مراراً بأن يكون بوابة الغرب للشرق وعاش دهراً على أمل أن يكون "رسالة" السماء للأرض، وفشل دوماً بأن يتخطى رمادية "الستة وستة مكرر" وأن يتجمّل بلون واضح ساطع متماسك وبهي!

وسطية الموقف، التي أفادت لبنان واللبنانيين في بعض المحطات، ليست سلبية في جميع الأحوال كما أنها ليست إيجابية دوماً. فالحيادية والتوافقية و"الهيك وهيك" قد تشكّل موقفاً واضح المعالم وظاهر اللون، بشرط أن يشيد بنيانها على ثوابت متجذرة لا على منافع فئوية أو مصالح ظرفية، وإلا سقط الموقف المتوازن الى قعر "اللاموقف" الذي أثبت في المحصلة العامة للتجربة اللبنانية أنه لم يسمن ولم يغن من جوع، فبقيت ثماره مّزة المذاق إن لم تكن مرّة وفجّة، وبقي لونه متشحاً بالرمادي: لا أبيض ولا أسود!