لا يختلف اثنان على ضرورة تعديل نظام الدوائر الانتخابية والصوت الواحد لما فيه من مثالب أدت إلى تراجع العمل الديمقراطي وإلى فقدان الثقة بمجلس الأمة، ومع هذا لا يعني أن تُترك الساحة على أمل صدور مرسوم ضرورة يعالج تلك المثالب.

عندما أعلنت المعارضة رفضها ومقاطعتها لمرسوم الصوت الواحد كانت الرسالة في حينها مقبولة لدى الكثير من أبناء الوطن، حيث كان التفاعل كبيراً، لكن هذا التفاعل بدأ يأفل شيئاً فشيئاً، وأصبح المرسوم واقعاً استمر أكثر من ثماني سنوات، ومع هذا هناك من لا يزال ينادي بالمقاطعة وحث الناخبين على اتخاذ الموقف ذاته دون طرح البدائل.

Ad

هذا الموقف السلبي انحرف بمسيرة الإصلاح ونتج عنه وجود مجلس أمة ضعيفاً مسلوب الإرادة ساهم في تفشي ملفات الفساد وضعف الأداء الرقابي والتشريعي.

اليوم لم يعد خيار المقاطعة ضمن الخيارات المطروحة والاستمرار فيه يكرس نشر ثقافة الاستسلام للفساد، ولا يدخل ضمن مضمون الحصافة السياسية التي تتطلبها هذه المرحلة، لذلك المطلوب نسف هذا الفكر، وحث الناخبين على المشاركة بفعالية وكثافة لرفع نسبة التصويت إلى أعلى مستوى؛ لتفكيك التحالفات القبلية والمذهبية والطبقية التي حرمت الكفاءات من فرصة الوصول إلى المجلس.

البعض لا يقاطع الانتخابات من باب موقف سياسي، ولكن بسبب عدم إيمانه بأهمية وجود المجلس، والبعض الآخر يقاطع بسبب استسلامه لفكرة صعوبة التغيير، وأن النتائج محسومة سلفاً، وهؤلاء من أكثر الناس تذمراً، وهم من أهم أسباب التي أوصلت حال المجلس إلى ما هي عليه.

المشاركة في هذه الانتخابات استحقاق وطني، والعمل على إيصال المستحقين رسالة للفاسدين، فإذا كان الوزراء والنواب يؤدون القسم بالعلن تحت قبة عبدالله السالم فإن الناخب يؤدي القسم ذاته، أمام الله عند وضع علامة صح أمام المرشح الذي يقع عليه اختياره، وهي أمانة عظيمة عليه أن يؤديها بالصدق.

أتفق مع الكثيرين بأن تغيير مزاج الناخبين نحو اختيار الكفاءات ليس بالأمر الهين بعد أن أصبحت وظيفة النائب التشريعية والرقابية هامشية مقارنة مع دوره في تأدية دور الوسيط بين الناخب والحكومة، ناهيك عن تفشي ظاهرة التعصب القبلي والمذهبي الذي عززته وأصّلته الحكومة في نفوس المواطنين.

أستاء جداً من تصريحات المدافعين عن الهوية الوطنية في الشارة والواردة مقابل صمتهم عما يضر بالمصالح الوطنية وسكوتهم المريب عن ملفات الفساد والفاسدين، وكأن الفساد قضية هامشية في نظرهم، أو أنها لا تشكل خطراً على الوطن، أو كما قيل "دولة الفساد خير من لا دولة".

هذه الانتخابات ليست عرساً ديمقراطياً لكنها استحقاق وطني يفرز الناخبين إلى نصفين: من قلبه على الوطن، ومن عينه على مصالحه الخاصة.

ودمتم سالمين.