انتهجت الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية سياسة فصل أو نقل تبعية بعض الهيئات والإدارات، وإلحاقها بجهات حكومية أخرى، متخذة من تشابه الاختصاصات بين هذه الجهات وتقارب الأهداف والأدوار ذريعة لقراراتها.

وتأتي وزارة الشؤون الاجتماعية في مقدمة تلك الجهات التي أصدر مجلس الوزراء قرارات بنقل بعض الإدارات التي تتبعها إلى جهات أخرى، كما حدث في حضانات الأطفال التي نقلت إلى قطاع التعليم الخاص والنوعي بوزارة التربية، وإدارات المركز الطبي التأهيلي، وخدمات دور الرعاية، ورعاية المعاقين، والتأهيل المهني للمعاقين، التي ألحقت بالهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة، فضلا عن نقل تبعية مكتب الإنماء الاجتماعي من الأمانة العامة لمجلس الوزراء إلى "الشؤون"، غير أنه من اللافت في الأمر أن هذه القرارات الثلاثة لم تأت بثمارها المرجوة، بل على النقيض كان مصير بعضها الفشل الذريع والإلغاء، والأخرى لاتزال تعاني مع التعليق وعدم القدرة على التطبيق بالصورة المثلى، أو تحقيق الهدف المرجو منها.

Ad

وأكد المراقبون أن ثمة 3 أسباب هامة ادت إلى فشل بعض القرارات الحكومية الخاصة بنقل تبعية بعض الهيئات والإدارات الحكومية، وهي ضعف الدراسات العلمية والتحليلية المتأنية قبل وأثناء وعقب إتمام عملية النقل وجدوى هذا الإجراء، وعدم الاحتساب الدقيق لميزانيات الجهات التي ستُحلق بها هذه الإدارات، وعدم توفير الدرجات الوظيفية اللازمة، بما لا يوقع أي ضرر على الموظفين أو ينتقص من حقوقهم المادية الخاصة بالكوادر المالية والبدلات أو بالتدرج الوظيفي.

فشل نقل «الحضانات»

وعلى صعيد نقل حضانات الأطفال، وعقب ما يناهز العامين من الشد والجذب، وتعدد تصريحات مسؤولي الشؤون والتربية بالاستعداد التام وجاهزية تنفيذ قرار النقل، فضلا عن عقد عشرات الاجتماعات وتشكيل لجان عدة بين الجانبين لاقتراح الهيكل التنظيمي للوحدة المزمع تكليفها بالإشراف على الحضانات، وتناول المعوقات والمشكلات التي تواجه الاشراف على ما يزيد على 450 حضانة موزعة على مناطق البلاد كافة، جاء قرار مجلس الوزراء بإلغاء قراره بنقل تبعية الحضانات الى وزارة التربية، والإبقاء على اختصاص وزارة الشؤون بمنح تراخيصها والإشراف عليها، معللا ذلك بأن دور الحضانات يتميز بطبيعة خاصة على نحو يصعب معه أن يدخل في صميم عمل وزارة التربية لعدم توافق نظام العمل بها مع طبيعة الدور التربوي والمهني الذي تقوم به، لاسيما أن الفئة العمرية المخاطبة بها تكون دون سن الرابعة.

مشكلة «المركز الطبي»

وبشأن قرار نقل تبعية إدارات المركز الطبي التأهيلي (خدمات دور الرعاية، رعاية المعاقين، التأهيل المهني)، من الوزارة إلى هيئة الإعاقة، الذي مرّ على تطبيقه نحو 3 سنوات، فإنه لاتزال المشكلات قائمة، نظراً لعدم فك التشابك الخاص ببعض عقود الصيانة والنظافة والسيارات، والتي كان آخرها انتهاء عقود الصيانة وعدم تمديدها، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي والمياه عن المجمع على مدار 3 أيام، فضلا عن المشكلات الخاصة الممثلة بنقص الطاقم الطبي والتمريضي في المركز الطبي التأهيلي بدور الرعاية، وعدم قدرته على تقديم الخدمات الطبية بالصورة المثلى وعلى قدم المساواة لنزلاء الهيئة والوزارة، لاسيما أنه قانونياً يتبع "الإعاقة" لا "الشؤون"، مما جعل نزلاء الإدارات الإيوائية من مسنين وأحداث وأبناء حضانة عائلية عرضة لعدم تلقي الرعاية الصحية اللازمة.

اختصاصات لم تفعّل

أسند قانون الهيئة العامة للطرق والنقل البري إلى الهيئة العديد من الاختصاصات التي لم تفعّل، ومنها إجراء التفتيش ومراقبة نشاط الأشخاص المرخص لهم بموجب هذا القانون وتلقي الشكاوى المقدمة بشأن المخالفات والجرائم المنصوص عليها في القانون، وإحالتها إلى جهات التحقيق، سواء وقعت في مواجهة الهيئة أو المتعاملين في نشاط النقل واتخاذ جميع الإجراءات التي من شأنها أن تؤدي إلى الكشف عن الجرائم المشار إليها، ورسم ومتابعة سياسة النقل للدولة وتنفيذ ما يخصها من مشاريع منظومة النقل البري واستراتيجيتها.

كما دعا القانون الهيئة إلى وضع سياسات مزاولة أنشطة النقل البري ومنح تراخيصها، ومتابعة تنفيذ اتفاقيات النقل البري المبرمة بين الكويت والدول الأخرى والمنظمات الدولية، وتشجيع الاستثمار والمنافسة ومنع الاحتكار وتعزيز دور القطاع الخاص في مجال النقل، وإجراء ودعم وتشجيع الدراسات والبحث العلمي وتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية لإدارة وتشغيل منظومة النقل البري، ونشر الوعي بين أفراد المجتمع في مجال الطرق والنقل، وترسيخ ثقافة النقل الجماعي.

هذا كله يؤكد عدم الدراسة الجادة التي تسبق اتخاذ قرار النقل، وخير دليل على ذلك، رد الوزارة على ملاحظة ديوان المحاسبة للسنة المالية (2019/2020) بشأن عدم توافر مركز طبي لخدمة نزلاء مجمع الرعاية الاجتماعية، والتي كشفت خلالها أنه تبين عقب الفصل، من خلال الممارسة العملية، حدوث مشكلات فنية وإدارية، وبات نزلاء الدور التابعة إلى الوزارة دون مركز طبي يرعاهم صحياً، ما حدا بها إلى مخاطبة الأمين العام لمجلس الوزراء بصورة رسمية بشأن إعادة تبعية بعض الإدارات التي نقلت إلى "هيئة الإعاقة" ومنها المركز الطبي التأهيلي، وإدارة خدمات دور الرعاية.

«الإنماء»... مشكلات بالجملة

أما على صعيد تنفيذ المرسوم (294/2019)، الصادر بشأن إلحاق مكتب الإنماء الاجتماعي بوزارة الشؤون منذ أبريل الماضي، فحدّث ولا حرج، لاسيما في ظل اكتشاف جملة مشكلات عالقة لم يتم الانتهاء منها حتى الآن مرتبطة بميزانية المكتب، وتمثل حجر عثرة أمام تطبيق المرسوم، ووفقاً لمخاطبة رسمية موجّهة من مدير "الإنماء" إلى وزيرة الشؤون الاجتماعية، وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية مريم العقيل، فإن ثمة 10 أسباب وأمور مالية وإدارية تقف أمام نقل تبعية "الإنماء الاجتماعي" يجب توافرها في أي جهة، ليتسنى استمرار منظومة عملها وفق المهام المنوطة، وهي عدم دفع الايجارات الخاصة بالمبنى الحالي للمكتب، لعدم توافر بند في الميزانية، وعدم استكمال أعمال الممارسة الخاصة باستئجار مبنى بديل، وفقاً للتقارير السابقة التي أظهرت اضرار الاستمرار في المبنى الحالي لتهالكه، وعدم توافر اشتراطات الأمن والسلامة، وفقاً لافادات الجهات المعنية، إضافة إلى ذلك وجود اختلاف في نظام الدرجات الوظيفية، وتأثر موظفي المكتب مادياً في حال ترقيتهم لاختلاف اللائحة المطبقة المعمول بها في وزارة الشؤون، وكذلك الحال بالنسبة للعلاوات الدورية، وعدم توافر اعتماد تكميلي للموظفين المعينين، وعدم القدرة على توفير نثرية للمكتب من قبل "الشؤون" أو توفير بند لصرف مكافآت الأعمال الممتازة للموظفين المستحقين.

«الزراعة» وإشراف «الإعلام»!

من تجارب الدمج والنقل غير الناجحة على المستوى الحكومي، وضع الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية تحت إشراف وزير الإعلام، في مفارقة غريبة للجمع بين عملين لا قاسم مشتركا بينهما، علما بأن هذا الوضع الجديد لم يؤد إلى أي تطوير للهيئة أو معالجة لمشاكلها، بل على العكس، زاد من المشاكل والتحديات التي تواجه الهيئة والقطاع الزراعي برمته، بدليل التجاوزات الكثيرة التي تسجل على مستوى كثير من الحيازات والمزارع، وسوى ذلك من الإخفاقات.

اختلاف بالدرجات

كما بينت المخاطبة عدم توافر بند لفرق العمل واللجان والتكليف بأعمال إضافية، وعدم صرف مكافأة فرق عمل رفع المستوى الوظيفي حتى تاريخه، والتأخر المستمر في صرف مكافآت المستعان بخبراتهم في المكتب، حيث يؤثر كل هذا سلباً على عمل المكتب والمهام المنوطة به، كما أنه تبين بعد الاطلاع على ميزانية الوزارة المعتمدة من قبل وزارة المالية للسنة المالية (2020/2021) اعتماد 416 وظيفة فقط لموظفي المكتب (يتقاضون 7.616 ملايين دينار سنوياً)، وهو عدد يختلف عن الوظائف التي تم نقلها من قبل "الإنماء" وديوان الخدمة المدنية على النظم المتكاملة للوزارة الذي يقدر بنحو 673 وظيفة بفارق 257 وظيفة لا يوجد لها أي اعتمادات مالية، إلى جانب ذلك لم يتم اعتماد أي مبالغ مالية خاصة بالصرف على البنود الاعتيادية، على سبيل المثال لا الحصر، القرطاسية والأدوات المكتبية والسيارات والمطبوعات وغيرها من البنوك الأخرى، إضافة إلى عدم اعتماد أي مبالغ لشراء أجهزة حاسوب أو أثاث مكتبي، فضلاً عن اعتماد وزارة المالية درجات ترقية بالاختيار للسنة المقبلة 2021 بأعداد تفوق المقررة في قرار مجلس الخدمة المدنية، الأمر الذي يترب عليه أخطاء في عدد الدرجات المالية المعتمدة في ميزانية الوزارة، مما يتعذر مع اعداد مشروع الميزانية للسنة المالية (2020/2021)، وعدم اعتماد أي مخصصات مالية للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة.

«الأشغال» والطرق

وما شهدته "الشؤون" ينسحب أيضا على "الأشغال"، التي صدر عام 2014 قانون قضى باستقلال الهيئة العامة للطرق والنقل البري عنها، وأعطى الهيئة العديد من الاختصاصات التي عجزت الحكومة على مدى السنوات الماضية في تكريسها كصلاحيات واختصاصات مستقلة، لاسيما بعد أن رفضت عدة جهات منها "الداخلية والمواصلات والبلدية" نقل بعض إداراتها للهيئة، بالرغم من الاجتماعات الماراثونية الحكومية بهذا الشأن.

وتعمل الهيئة العامة للطرق والنقل البري، وفقا للقانون الصادر رقم 115 لسنة 2014 والخاص بإنشائها، والذي نص في مادته الثانية على أن تنشأ هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة، ويشرف عليها الوزير المختص، وتهدف إلى إدارة منظومة نقل بري حديثة وآمنة واقتصادية، والإشراف عليها وصيانتها لتحقيق رؤية الدولة، وتتمتع الهيئة بجميع الصلاحيات، والاختصاصات التي تكفل لها تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في مجالها.

وعلى ارض الواقع، فإن تمتع الهيئة بجميع الصلاحيات التي منحها لها القانون واجه العديد من العراقيل، حيث رفضت العديد من الجهات أن تنضم بعض إداراتها إلى الهيئة، بالرغم من تشكيل لجنة وزارية تضم جميع الأطراف الحكومية ذات الصلة من أجل نقل اختصاصاتها للهيئة، إلا أن تلك الأطراف رفضت أن تنقل إلى الهيئة، معللة ذلك بصعوبة نقل تلك الإدارات إليها، الأمر الذي أعاق قيام الهيئة بالعديد من الأدوار المفترض أن تقوم بها، ومنها "تحديد تعريفة النقل بكل أنواعها، وفرض الرسوم وتحصيل الغرامات حسب الإجراءات المتبعة في قوانين الدولة، والتي يصدر بها قرار تنظيمي من رئيس الهيئة، ووضع سياسات مزاولة أنشطة النقل البري، ومنح تراخيصها وفقا للائحة، وتشجيع الاستثمار والمنافسة ومنع الاحتكار، وتعزيز دور القطاع الخاص في قطاع النقل.

أهم الإدارات التي لم تُنقل لـ«الطرق»

من أهم الإدارات التي لم تنقل إلى الهيئة العامة للطرق والنقل البري، إدارة الفحص الفني للمركبات، التي نص قانون إنشاء الهيئة على وضع معايير الفحص الفني لجميع المركبات وتطويرها وإدارتها وتراخيصها والإشراف عليها وإصدار وتجديد رخص القيادة، بما في ذلك فحص أنظمة النقل الجماعي، والتأكد من سلامتها من مترو والسكك الحديدية وغيرها، ووضع مراكز الفحص الفني وترخيصها واشتراطات التأمين على جميع المركبات حسب حجم المركبة ونوعها وحالتها الفنية وعمر قائدها وخبرته في القيادة وإدارة وتشغيل نظام وزن الشاحنات بالتنسيق مع الجهات المعنية.

وبالرغم من عقد عدة اجتماعات حكومية بشأن تفعيل دور الهيئة العامة للطرق وفقا للاختصاصات التي منحها لها القانون، فإن تفعيل دورها وفقا لهذه الاختصاصات التي لا تقتصر فقط على تنفيذ شبكات الطرق في البلاد، ما زال غير واضح، وجاءت إفادات ممثلي الهيئة أثناء الاجتماع عبر السنوات السابقة منذ أن صدر قانون الهيئة مغايرة لإفادات بعض الجهات الحكومية التي تأخرت في نقل بعض اختصاصاتها للهيئة.

وبالرغم من أن القانون نص في مادته رقم 10 على أن تكون للهيئة ميزانية مستقلة عن ميزانية الدولة، وتعد على نمط الميزانيات التجارية، وتبدأ السنة المالية للهيئة اعتبارا من السنة المالية للدولة وتنتهي في نهايتها، فإن ميزانية الهيئة لا تزال تصرف لها بإشراف وزارة الأشغال العامة، كما أن القانون نص على أن تقوم الهيئة بتأسيس شركة مساهمة كويتية أو أكثر، يكون غرضها المساهمة في تحقيق أغراض الهيئة وأهدافها بما في ذلك شركات المترو والسكك الحديدية وشركات الأجرة والحافلات وتحدد أماكن وقوفها وورش الصيانة، وتحدد اللائحة التنفيذية الشروط والأوضاع والأغراض التي من أجلها تؤسس هذه الشركات والمساهمين فيها، ولم تفعل.