قرأت تقريراً لمؤسسة خاصة تعطي مؤشرات على مدى انتشار الصحف العربية كل ستة أشهر، تقول فيه إن «الدستور» الأردنية تبوأت المركز الأول على المستوى العربي.

في هذا التقرير أدرجت الصحف بترتيبات متسلسلة تبدأ بالأولى وتنتهي بالعشرين، المهم هنا أن أحد معايير القياس على قدرة أي صحيفة لديها خط سياسي معين كيف باستطاعتها استقطاب قراء يعارضونها هذا التوجه.

Ad

لست على علم بهذه المؤسسة، لكن تجربتي في عالم الصحافة علمتني أن أضع عشرات علامات الاستفهام تحت تلك التصنيفات، وأنا لا أشكك في مهنية الزملاء، لا سمح الله، سواء في «الدستور» أو غيرها من الصحف، لكني أتحدث عن الظاهرة عموماً.

نقترب من المصداقية أكثر إذا اعترفنا أن الصحافة المحسوبة على الدولة أو الحزب أو الجهة المتنفذة تسير باتجاه واحد ولا تتقبل الرأي المعارض لها، وهذه من أبسط مقاييس الانتشار.

لندع هذا الأمر جانباً وندخل في صلب الموضوع، المعركة اليوم هي بين صحافة «الأونلاين» والصحافة الورقية والقدرة على المواءمة بين الاتجاهين أو المدرستين إن صح التعبير، ففي الأمس فتح الزميل جهاد الزين من صحيفة «النهار» اللبنانية الباب واسعاً، للنقاش حول مقاربة تجربة «النيويورك تايمز» بعد انتقالها إلى الاستثمار في «صحافة الديجيتال» دون التخلي عن نسختها الورقية.

البعض طالب بتقليد هذه الصحيفة الأميركية العريقة، وآخرون دعوا إلى الاستفادة من ذاك الدرس إلى حد الأخذ باستنساخ التجربة!

أعتقد أن هذا الانبهار السريع عائد إلى النجاح الذي حققته الصحيفة بالدرجة الأولى، والتمني أن يسير البعض على هديها فلربما يحقق هذا الإنجاز ما يطمح إليه صاحب أي صحيفة يومية.

إنما القياس بهذا الشكل يبقى مبتوراً وغير منصف، فالمجتمع العربي عموماً لديه خصائص ومستوى من التعليم والثقافات مختلف تماماً عن المجتمع الأميركي، إضافة إلى أسباب أخرى متعددة، تجعل المقارنة مجتزأة.

قبل شهرين تقريباً وفي عز طوفان كورونا والتوجه نحو الأونلاين عموماً، وفي مختلف مناحي الحياة اليومية التي أجبرت الشعوب العربية على الدخول إلى العوالم الافتراضية وهجران الورقي والتقليدي وغيره، تعرض «وزير الدولة للإعلام» المصري أسامة هيكل إلى حملة شرسة وتخوين، ومطالبة بالاستقالة أو إقصائه من منصبه بسبب تجرئه على القول إن «الأعمار أقل من 35 سنة، يمثلون حوالي 60 أو 65 في المئة من المجتمع لا يقرؤون الصحف ولا يشاهدون التلفزيون، وبالتالي من المهم التفكير في نمط حياة هذه الفئات»؟

وبدل البحث في أسباب انصراف القراء عن الصحف المصرية اليومية وانكفائهم على مشاهدة «تلفزيون الدولة» والاستعانة بأجهزة الاستطلاع وعمل دراسات ميدانية بكيفية تغيير أنماط القراءة والمشاهدة صبوا جام غضبهم على شخص الوزير!

الصحافة العربية العابرة للحدود وبصورتها التقليدية وفي عقود ما قبل ثورة الإنترنت والأيفون والاتصالات الحديثة لم تعد موجودة اليوم، ولم تعد «الأهرام» توزع مليون نسخة كل يوم جمعة من أيام الأسبوع، عندما كان رئيس تحريرها محمد حسنين هيكل يكتب مقالته الأسبوعية «بصراحة» ولا «النهار» اللبنانية الأكثر انتشاراً في العواصم الخليجية والعربية عندما كان الأستاذ غسان تويني يكتب افتتاحيته على الصفحة الأولى وبجواره مقالة الأستاذ ميشال أبوجوده، وأنا في هذه المناسبة أحاول أن أستجمع ذاكرتي وأترحم على تلك الأيام، التي كان فيها الموزعون والناشرون في الكويت يتنافسون على بيع الصحف المصرية واللبنانية إلى جانب الصحف الكويتية الخمس، وكانوا هم بمثابة «البارومتر» الذي نقيس به تأثير وقوة هذه الصحيفة وتلك، وهؤلاء غادرونا وحل محلهم «الأونلاين» وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يؤرق العاملين في بلاط صاحبة الجلالة؟

فالصحافة الكويتية باتت ساحتها حدود الكويت من حيث توزيع النسخة الورقية، وإن كانت مفتوحة عبر الإنترنت وبالمجان لمن يرغب وعلى المستويين العربي والعالمي، وهذا ينطبق على كل الصحافة العربية في لبنان أو في مصر أو الأردن أو السعودية، المعركة انتقلت إلى صفحات الأونلاين عبر الإنترنت والوسائل المستحدثة بالصراع لكسب القراء والإعلانات والنفوذ.

والتحدي الأكبر يكمن في القدرة على المواءمة بين ما يقدم للقارئ من مواد وآراء واستطلاعات على الورق وما يقدم له عن طريق «الأونلاين» وما بينهما من فروق واختلافات جوهرية.