بعد أربع سنوات مريعة ومربكة، يريد عدد كبير من الأميركيين أن يقنع نفسه بأن الولايات المتحدة أصبحت على مشارف بداية جديدة، ويبدو أن نائب الرئيس الأسبق جو بايدن نجح في التفوق على الرئيس دونالد ترامب بفارق صغير في الانتخابات الرئاسية المحتدمة التي شكّلت اختباراً حقيقياً لأدوات الديمقراطية الأميركية.

لكن يُفترض ألا يتفاءل أحد بدرجة فائقة حول المستقبل بعد هذا الموسم الانتخابي المثير للجدل، إذ تشتق النزعة الاستبدادية والشعبوية التي طبعت عهد ترامب الرئاسي من تصدعات عميقة في السياسة الأميركية والمجتمع الأميركي، ويجب أن يدرك الأميركيون هذه المشاكل ويعالجوها إذا أرادوا منع أي قوى مماثلة من حُكْم البلد مجدداً. لا تبدأ جذور ظاهرة "الترامبية" مع ترامب أو حتى السياسة الأميركية، ولن تنتهي برحيل الرئيس المنتهية ولايته، بل إنها على ارتباط وثيق بالتيارات الاقتصادية والسياسية التي تجتاح معظم مناطق العالم.

Ad

بيئة حاضنة للشعبوية

كانت الولايات المتحدة مُهيأة لتقبّل نوعٍ من الحركات الشعبوية بحلول عام 2016 ولا تزال كذلك حتى اليوم، وخلال العقود الأربعة الماضية، انتشرت مظاهر اللامساواة على نطاق واسع بين أصحاب التعليم العالي وبقية السكان وبين الرساميل والعمل، ونتيجةً لذلك، بقي متوسط الأجور جامداً طوال أربعين سنة تقريباً وتراجعت أرباح جماعات كثيرة، لا سيما الرجال من أصحاب التعليم المنخفض، بوتيرة سريعة. يكسب الرجال مبالغ أقل بكثير من نظرائهم خلال فترة السبعينيات مثلاً إذا كانوا لا يحملون شهادة جامعية، ولا يستطيع أي نقاش جدّي حول المشاكل السياسية التي اجتاحت الولايات المتحدة أن يتجاهل تلك النزعات الاقتصادية التي أثّرت على الطبقة الوسطى الأميركية وأدت إلى تأجيج مشاعر الغضب والإحباط في أوساط بعض الناخبين لدرجة أن تقرر هذه الفئة تأييد ترامب.

تبدو الأسباب الأصلية لهذه اللامساواة صعبة التحديد على نحو مفاجئ، فقد تزامن ظهور تقنيات التنقل الجديدة والمبنية على المهارات، مثل الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، مع تراجع نمو الإنتاجية لفترة معينة، ولم يفسّر المحللون بطريقة مقنعة السبب الذي جعل أصحاب الرساميل، لا العمّال، يستفيدون من تلك التقنيات. من الواضح أن التجارة مع الصين هي جزء من العوامل المؤثرة التي يذكرها الكثيرون حين يتكلمون عن أسباب المشكلة، لكن لم تبلغ الواردات الصينية ذروتها إلا بعد بدء توسّع مظاهر اللامساواة وتراجع الصناعة الأميركية، كذلك، لا تسجّل الدول الأوروبية التي تتلقى تدفقات تجارية من الصين المستوى نفسه من اللامساواة بقدر الولايات المتحدة، ولا يمكن نَسْب تفكيك النقابات أو رفع الضوابط عنها في الولايات المتحدة إلى اختفاء الوظائف الصناعية والمكتبية مثلاً لأن هذه الخسائر شائعة أيضاً في جميع الاقتصادات المتقدمة.

في مطلق الأحوال، أصبحت اللامساواة الاقتصادية، بغض النظر عن أصلها، مصدراً للتقلبات الثقافية والسياسية في الولايات المتحدة. كل من عجز عن الاستفادة من النمو الاقتصادي خاب أمله في النظام السياسي، ففي المناطق التي أدت فيها الواردات الصينية والأتمتة إلى خسارة الوظائف الأميركية، أدار الناخبون ظهرهم للسياسيين المعتدلين وباتوا يميلون إلى التصويت للمرشحين الأكثر تطرفاً.

قد تبدأ أي سياسة مفيدة بمعالجة اللامساواة الاقتصادية: من خلال رفع الحد الأدنى للأجور الفدرالية وفرض نظام ضريبي مبني على إعادة التوزيع وتحسين الأمن الاجتماعي، يمكن تسهيل إنشاء مجتمع أكثر عدالة، لكن لن تكون هذه التدابير وحدها كافية. تحتاج الولايات المتحدة إلى خلق فرص عمل لائقة (ما يعني أن تكون مستقرة وبأجور مرتفعة) للعمال إذا كانوا لا يحملون شهادة جامعية، لكن لا يزال البلد بعيداً عن التوصل إلى إجماع حول كيفية تحقيق هذا الهدف.

بالإضافة إلى توسّع مشاعر الاستياء لأسباب اقتصادية، تلاشت الثقة بجميع أنواع النُخَب. يعبّر جزء كبير من الرأي العام الأميركي والسياسيين اليوم عن عدائية متزايدة تجاه صناعة السياسة المبنية على الخبرة، كذلك انهارت الثقة بالمؤسسات الأميركية، بما في ذلك السلك القضائي والكونغرس والاحتياطي الفدرالي ومختلف وكالات إنفاذ القانون، ولا يمكن لوم ترامب وحده أو أي انقسام حزبي مستجد على هذا التحول المناهض للتكنوقراط، بل إن الرفض شبه الكامل للوقائع العلمية وصناعة السياسة بطرقٍ موضوعية وكفؤة وسط شريحة واسعة من الناخبين والحزب الجمهوري يسبقان عهد ترامب، وتتكرر هذه المظاهر في بلدان أخرى مثل البرازيل والفلبين وتركيا.

من دون التعمق في فهم أصل تلك الشكوك كلها، يصعب أن يقنع صانعو السياسة الأميركية ملايين الناس بأن أفضل السياسات التي يصمّمها الخبراء ستُحسّن حياتهم وتكبح عقوداً من التراجع، ولا يمكن أن يتوقع صانعو السياسة نجاحهم في إخماد الاستياء الذي سهّل تنامي نفوذ ترامب.

بذور سامة

تزدهر الحركات الشعبوية عموماً بفضل اللامساواة ومشاعر البغض تجاه النُخَب الحاكمة، لكن لا تفسّر هذه الظروف وحدها السبب الذي دفع الناخبين الأميركيين في عام 2016 إلى تأييد معسكر اليمين بدل اليسار تزامناً مع تفاقم اللامساواة واستفادة أغنى الأغنياء على حساب الناس العاديين. في الولايات المتحدة، استعدّت الحركة الشعبوية اليمينية لتحويل نفسها إلى أداة للتعبير عن شكاوى المواطنين العاديين ودمجت تلك المشاكل مع موقف قومي واستبدادي ومُعادٍ للنُخَب.

لم تظهر الشعبوية اليمينية في الولايات المتحدة بسبب الكاريزما الجنونية التي يتمتع بها ترامب، ولم تبدأ تزامناً مع افتتان وسائل الإعلام الإخبارية بتصريحاته المشينة أو مع التدخل الروسي أو ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، بل عادت الشعبوية اليمينية كقوة سياسية مؤثرة قبل عقدين على الأقل من سيطرة ترامب على الحزب الجمهوري، ألا تذكرون السياسي بات بوشانان؟ تظهر شخصيات مماثلة في جميع أنحاء العالم ولا تقتصر على الديمقراطيات الناضجة التي تترنح بسبب فقدان الوظائف في قطاع الصناعة، بل تنتشر أيضاً في بلدان استفادت اقتصادياً من العولمة، بما في ذلك البرازيل والمجر والهند والفلبين وبولندا وتركيا.

لم يكن استسلام الحزب الجمهوري لهذا النوع من الحركات أو لشخصيات مثل ترامب باعتباره حامل لواء الحزب استنتاجاً حتمياً أو متوقعاً. ربما أيّد الجمهوريون ترامب لأنه كان مستعداً لتنفيذ أجندتهم التي تشمل تخفيض الضرائب ومحاربة التنظيمات وتعيين قضاة محافظين، لكنّ هذا الجانب هو جزء بسيط من القصة للأسف، فقد توسّعت شعبية ترامب بدرجة فائقة نتيجة مواقفه التي تتعارض بشدة مع المبادئ الجمهورية، منها ضبط التجارة، وزيادة الإنفاق على البنى التحتية، ومساعدة شركات التصنيع والتدخّل في شؤونها، وإضعاف دور البلد على الساحة الدولية. يمكن التكلم مثلاً عن معدلات الانقسام القياسية قبل ظهور ترامب أو انتقاد دور المال في السياسة، لكن بالكاد تفسّر هذه العوامل النزعة الشاملة إلى التخلي عن جزءٍ كبير من المبادئ السياسية التي يتمسك بها هذا الحزب القائم منذ 150 سنة، فقبل عام 2016، ما كان الكثيرون ليصدّقوا أن الحزب الجمهوري قد يحاول الإغفال أو التستر على تدخّل حكومة عدائية في الانتخابات الرئاسية.

تفكك عالمي

ترامب و"الترامبية" ظاهرتان أميركيتان، لكنهما تطوّرتا في سياق عالمي لا يمكن إنكاره، وفي عهد بوريس جونسون في المملكة المتحدة، بدأ "حزب المحافظين" البريطاني يتغير بطريقة مشابهة، ولو بوتيرة حميدة أكثر من الحزب الجمهوري الأميركي، كذلك، تفوّق "التجمع الوطني" (إنه الاسم الجديد للجبهة الوطنية اليمينية) على اليمين الفرنسي، وأعاد اليمين التركي تشكيل نفسه على صورة الزعيم القوي رجب طيب أردوغان، لا تثبت هذه الحالات وسواها حجم الانقسام السائد فحسب بل تكشف تفككاً كاملاً للنظام السياسي القديم.

لا تزال أسباب وطريقة حصول هذا التفكك غير واضحة بالكامل، ولمعرفة الجواب الحقيقي، يجب أن ننظر أولاً إلى النزعات الاقتصادية الطاغية والمتقاطعة في الحقبة المعاصرة، أي العولمة وظهور التكنولوجيا الرقمية والمؤتمتة، فقد أدى هذان العاملان إلى تغيرات اجتماعية سريعة تزامناً مع تحقيق مكاسب غير مشتركة وحدوث اضطرابات اقتصادية. أثبتت المؤسسات عجزها أو عدم استعدادها لحماية المتضررين من تلك التحولات، حتى أنها قضت على ثقة الرأي العام بأحزاب السلطة، وبالخبراء الذين يدّعون أنهم يفهمون العالم ويجيدون تحسينه، والسياسيين المتورطين في أسوأ التغيرات المثيرة للاضطرابات بالتعاون مع الأطراف التي استفادت منها ضمناً.

من هذا المنطلق، لن يكون استنكار انهيار السلوك المدني أو حتى هزم الشعبويين السامّين والزعماء المستبدين كافياً، وعلى كل من يحاول تدعيم المؤسسات الديمقراطية أن يبني مؤسسات جديدة قادرة على تحسين طريقة تنظيم العولمة والتكنولوجيا الرقمية وتعديل وجهتها وقواعدها بما يضمن أن يستفيد المزيد من الناس من النمو الاقتصادي المحتمل (أو ربما تكون تلك المؤسسات أكثر سرعة وأعلى جودة بشكل عام). لاسترجاع ثقة الرأي العام بالمؤسسات العامة والخبراء، يجب أن يتأكد الناس أولاً من أن هذه الجهات تعمل من أجل الشعب وتبدي استعدادها للتعاون معه.

*دارون أجيم أوغلو