يـُدشن وطننا الكويت عهداً جديداً، ممثلاً في أمير جديد للبلاد وولي للعهد. ومع إدراكنا اليقيني أن اليوم البشري هو امتداد للأمس، فإننا ندرك أيضاً قدرة الراهن على لبس ثوبٍ يخصّه، وسمةٍ سرعان ما ستسم عهده، خصوصا أن هذه الأحداث الجديدة تزامنت مع انتخابات جديدة لمجلس الأمة، وتالياً ولادة حكومة جديدة. وإذا كانت الأمنيات المؤملة التي رُفعت لمقام حضرة صاحب السمو الأمير، وولي عهده الأمين كثيرة ومن مختلف قطاعات وفئات المجتمع الكويتي، فإنني أرى أن أمنية واحدة قد تكون قادرة على صنع الفرق، وأعني بذلك التعليم!

إن زمناً راكضاً ومتغيراً يشكّل وعي أصحابه وسلوكهم، يتطلب بالضرورة فكراً وعلماً يتماشيان معه. وتبدو الدلالة كبيرة في عيش البشر للحظة نفسها، والحدث نفسه والانفعال نفسه، على اختلاف أجناسهم ومللهم وأعراقهم ودياناتهم وأماكن عيشهم وتباين مستويات معيشتهم، لذا سيكون نشازاً ظاهراً وجلياً وقاتلاً أن يكون التعليم، وهو قرين عيش الإنسان، أن يكون متخلِّفاً وبطيئاً وتلقينياً، ولا ينتمي ألبتة لعلوم العصر، ولا لغة العصر، ولا لنبض العصر، أو لونه، أو وسائل فهمه، والتعامل معه!

Ad

كثيرون تكلموا، منذ سنين، بضرورة "نسف" مقررات ومناهج وزارة التربية، والمجيء بمناهج ومقررات جديدة ومختلفة تماماً. مختلفة على مستوى المادة العلمية، وطريقة تدريسها، وطريقة التفكير فيها، وجاهزية المعلم لتقديم مادتها، وعلاقته بالطالب، وعلاقة المدرسة كمؤسسة تعليمية بالأسرة كمؤسسة اجتماعية، وأخيراً مُلاءمة مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل الكويتية.

نعم، مؤلم جداً، أن مقررات الستينيات والسبعينيات كانت أقدر على مسايرة اللحظة الإنسانية منها اليوم! ونعم، مؤلم جداً، أن توزيع الحصص المدرسية في الستينيات والسبعينيات كان أكثر حداثة مما هو عليه الآن! فهل يُعقل أن مدارس الكويت التي كانت تقدم وجبات الطعام لطلبتها، ومع تلك الوجبات تقدم لهم، مهارات اللغة، ومهارات القراءة الحرة، ومهارات الرياضة، ومهارات الرسم، ومهارات الموسيقى، ومهارات التعايش مع الآخر، أياً كان هذا الآخر، تنتهي إلى مدارس لا تعلّم من اللغة إلا ما يُنفّر الطلاب منها، وتُعدم على مشنقة الوقت، كل ما له صلة بالمطالعة الحرة والكتابة الحرة، والرسم والموسيقى وحتى الرياضة!

قد يظن البعض بتقولي على مناهج وزارة التربية، لكني عايشت هذه المناهج ومازلت. عايشتها طالباً درس كل مراحل الدراسة في مدارس حكومية، وتخرج في جامعة الكويت، كلية الهندسة والبترول. وعايشتها ثانية وأنا أدرِّس ابنتي البكر، التي تعمل حالياً دكتورة في جامعة الكويت، وعدت أعايشها، حين درَّست ابنتي الثانية، وبينهما أكثر من عشر سنوات، وهي تدخل إلى جامعة الكويت اليوم. وعايشتها مرة ثالثة، وأنا أجالس أحفادي أدرسهم، ويعتصر الألم قلبي، لمواد مقعّرة ومتخلِّفة وبائسة وغريبة عن زهو اللحظة الإنسانية التي تعيش البشرية، وهي تمتلك بامتياز القدرة على تنفير الطالب من أهم ما يربطه بفكره وأمته وتراثه، وأعني بذلك اللغة العربية.

لنفترض أن إنساناً يمشي للتريّض في صباح باكر، ويأخذه دربه للمرور بمدرسة حكومية، ويقف ليتفرج من خلف أسوارها على ما يدور بداخلها، ثم يكمل طريقه ليصادف مدرسة أجنبية خاصة، ويقف ليتفرج على ما يجري خلف أسوارها، مؤكد أنه سيشعر بفارق كبير بين المدرستين، بدءاً بنظام دخول الطلبة، مروراً بملابسهم، وانتهاءً باستقبال المدرسين لهم. والأمر عينه، إذا ما دخل مفتش متعلم ليرى الفرق الشاسع والهائل بين ما تقدمه المدرسة الحكومية لأبنائنا، وما تقدمه المدارس الأجنبية لطلبتها، فالمدرسة الأجنبية تدرك أن التعليم المدرسي هو صقل لمواهب الإنسان، لمساعدته على عيش الحياة! بينما مدارسنا القائمة تدجّن الطالب ليكون ناقلاً لا مفكّراً، وحافظاً لا مبتكراً!

أكتب لكل من يهمه الأمر، بتوسل ورجاءٍ ونخوة؛ بأنه قد يكون هناك الكثير من الفساد الذي يستلزم الوقوف عنده وإصلاحه، لكن لن ينصلح شيء، ولن يُكتب لنا أن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، وتستعيد الكويت الغالية مكانتها المرموقة بين الأمم، إن لم تُنسف مناهج وزارة التربية القائمة حالياً، ويؤتى بمناهج تعشق اللغة العربية بوصفها سحراً، وتهتم بتنمية فكر الطالب بوصفه محرِّك الغد، وتركّز على صقل فكره بقدر ما تهتم بصقل جسده، وتعلّمه أن تذوّق وعيش الموسيقى يعين على الحياة، ويجعل اللحظة أجمل. وأخيراً تؤهله لأن يكون مواطناً إنسانياً صالحاً يتقن التعامل واحترام الآخر، وأياً كان هذا الآخر.