لنتكلم عن أبرز أنواع ألم الظهر: الألم الشديد الذي يدوم أقل من أربعة أسابيع، والألم شبه الحاد الذي يدوم بين أربعة أسابيع و12 أسبوعاً. ينجم معظم الحالات (نحو 85 في المئة) عن أسباب حميدة. تندرج المشاكل ضمن تشخيص "ألم الظهر الميكانيكي" الذي يشمل التشنج العضلي والتواء الأربطة والتهاب المفاصل. يتعلق بعض الحالات (3 في المئة أو 4 في المئة) بأسباب أكثر جدّية كالأقراص "الناتئة"، والانزلاق الفقاري، وكسور الفقرات المرتبطة بهشاشة العظام (تفكك العظام بسبب ترققها)، وتضيّق العمود الفقري (انضغاط الحبل الشوكي بسبب التهاب المفاصل). في حالات نادرة (أقل من 1 في المئة) يرتبط الألم بالتهاب (مثل التهاب الفقار اللاصق) أو سرطان (نقيلي في معظمه) أو عدوى.حين يأتي شخص مصاب بألم شديد في أسفل ظهره إلى العيادة، تقضي مهمة الطبيب الأساسية باستبعاد أكثر الحالات خطورة عبر استجواب المريض وفحصه. لا يطلب الاختصاصي تصوير المريض أو إجراء فحوص مخبرية إلا بعد الاشتباه بسبب غير "ميكانيكي"، ثم يمكن أن يتخذ الوضع مساراً مختلفاً.في معظم الحالات، تكون الحالة حميدة نسبياً لكنها مؤلمة جداً ومكلفة، وقد تعوق الحياة اليومية. كيف يمكن معالجة هذا الوضع؟ تعدد العلاجات المتاحة أمر مربك، فيما تقلّ الخيارات العلاجية الفاعلة.
تحليل العلاجات
أقدمت "الكلية الأميركية للأطباء"، ثاني أكبر مجموعة طبية في الولايات المتحدة، على تحديث توجيهاتها المرتبطة بالسيطرة على ألم أسفل الظهر. راجع الباحثون مئات الدراسات المنشورة عن العلاجات غير الجراحية لألم الظهر وحللوا البيانات. شملت العلاجات أدوية مثل الأسيتامينوفين ومضادات الالتهاب غير الستيرويدية (مثل الإيبوبروفين والنابروكسين)، والأدوية الأفيونية (مثل الأوكسيكودون)، ومرخيات العضلات والبنزوديازيبين (مثل اللورازيبام والديازيبام)، ومضادات الاكتئاب (مثل الفلوكسيتين أو النورتريبتيلين)، ومضادات النوبات (مثل النورونتين)، والستيرويدات القشرية المنهجية (مثل البريدنيسون).شمل التحليل أيضاً دراسات حول علاجات غير دوائية، من بينها الوخز بالإبر، وتقنيات تخفيف الضغط النفسي بناءً على الاسترخاء الذهني، والتاي تشي، واليوغا، وتمارين السيطرة على الحركات (تُشغّل العضلات التي تدعم العمود الفقري وتتحكم به)، والاسترخاء التدريجي، والارتجاع البيولوجي، وعلاج الليزر الخفيف، والعلاجات السلوكية، والتلاعب بالعمود الفقري لمعالجة ألم أسفل الظهر. إنها علاجات كثيرة!اهتم الباحثون بدراسات قيّمت مدى فاعلية تلك العلاجات كلها (على مستوى تراجع الألم وأداء الوظائف الجسدية) فضلاً عن أضرارها. ولم تكن الأدوية جزءاً من أحدث التوصيات لمعالجة ألم الظهر "الميكانيكي".توصيات
كانت النتيجة التي توصّل إليها الباحثون مفاجئة: لمعالجة ألم الظهر الشديد والألم شبه الحاد، لا تتألف أفضل العلاجات وأكثرها أماناً من الأدوية. أصدرت "الكلية الأميركية للأطباء" هذه التوصيات البارزة:يتحسن وضع معظم المصابين بألم شديد أو شبه حاد في أسفل الظهر مع مرور الوقت بغض النظر عن العلاج ويمكن أن يتجنب المرضى العلاجات والفحوص الضارة والمكلفة. يجب أن يشمل العلاج الأولي خياراً غير دوائي كالحرارة السطحية والتدليك والوخز بالإبر والتلاعب بالعمود الفقري. حين تفشل العلاجات غير الدوائية، يمكن اللجوء إلى مضادات الالتهاب غير الستيرويدية أو مرخيات العضلات الهيكلية.لما كان معظم حالات ألم الظهر الميكانيكي يتحسن تلقائياً، فلا داعي لإعطاء علاجات قد تسبب الأضرار. ولما كان بعض الأدوية يحمل مخاطر كبرى، فيجب ألا نوصي به عشوائياً. بل يجب أن نقدم للمرضى توجيهات حول استعمال وسائد التدفئة أو قناني الماء الساخن أو احتمال اللجوء إلى خبراء الوخز بالإبر والتدليك وتقويم العمود الفقري. كانت هذه العلاجات فاعلة بدرجة معينة ومن المستبعد أن تسبب الأذى.حتى مسكنات الألم غير الطبية لا تخلو من المخاطر! ثمة أدوية مثل الإيبوبروفين والنابروكسين مفيدو، لكنها تسبب التهاباً وقرحة في المعدة فضلاً عن نزيف محتمل، حتى أنها قد تؤذي الكبد، لاسيما لدى كبار السن. يمكن أن تعطي مرخيات العضلات مفعولاً مخدراً وقد تتفاعل مع أدوية شائعة أخرى.لا تسبب أدوية المواد الأفيونية الخدر فحسب بل إنها تُصعّب التفكير الواضح وتعوق العمل الطبيعي، وقد يدمن عليها الجسم. في ما يخص معالجة الألم الشديد وشبه الحاد في أسفل الظهر، تتفوق مخاطر تلك الأدوية على منافعها. على صعيد آخر، تبيّن أن أدوية أخرى مثل الأسيتامينوفين والستيرويدات القشرية ومضادات الاكتئاب والنوبات غير مفيدة لمعالجة ألم أسفل الظهر.لكن أغفلت الدراسة عن بعض الأدوية المفيدة وقليلة المخاطر، إذ لم تشمل منتجات موضعية مثل رقعة الليدوكاين أو مرهم الكابسيسين. إنه أمر مؤسف لأن هذه الأنواع تريح بعض الناس ولا تحمل مخاطر كثيرة. من المفيد أن نعرف أيضاً ما إذا كانت العلاجات الموضعية غير الطبية التي تحتوي على الكافور أفضل من الدواء الوهمي لمعالجة ألم أسفل الظهر.