طرح الكرملين اقتراحات متكررة تسمح للولايات المتحدة وروسيا بالتعاون لحماية الانتخابات ضد هجمات المقرصنين، وفي الشهر الماضي، وسّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نطاق الاقتراح وحوّله إلى حزمة متكاملة حيث يتعهد كل بلد بعدم التدخل في الاستحقاقات السياسية الحاصلة داخل البلد الآخر، بالإضافة إلى إعادة إطلاق الحوار ووضع آلية لمنع الاعتداءات الإلكترونية وتقاسم المعلومات حول الأمن الإلكتروني.

في الماضي، كان مبرراً أن تسخر الأوساط الأميركية من هذه الاقتراحات وقد رفضها البيت الأبيض مراراً، لكن حين تهدأ الأجواء مجدداً غداة الانتخابات الرئاسية، ماذا لو فكّرت الإدارة الأميركية الجديدة بالموافقة على هذا الطرح؟ لا يعني ذلك تقبّل الحزمة المعروضة كلها، بل التعهد بعدم التدخل بكل بساطة.

Ad

هل يمكن اعتبار ميثاق عدم التدخل إيجابياً؟ إنها فكرة إيجابية على الورق، فهل سينفذ القادة الروس الالتزامات المطلوبة منهم بحسن نية؟ لن يفعلوا ذلك طبعاً! لكنّ الميثاق المقترح يستحق التجربة لهذا السبب تحديداً: لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتوقع عقد اتفاق مثمر مع موسكو، بل تهدف هذه الخطوة إلى فضح خداع بوتين.

يملك قادة روسيا أسبابهم الخاصة لعرض هذا النوع من الاتفاقيات وممارسة الضغوط لعقد صفقة حول الأمن الإلكتروني، مع أنهم يعرفون جيداً أن واشنطن لن توافق على هذا الطرح على الأرجح. يتخذ الكرملين هذه الخطوة لأنه يعتبر نفسه الطرف المتضرر الذي يتعرض لهجوم دائم من خصمٍ أقوى منه مع أنه لم يقدم للطرف الآخر إلا التعاون المتبادل لكنه لم يلقَ منه إلا الخيانة والمضايقات، فعلى أرض الواقع لا تُعتبر هذه الفكرة بلا أساس، فقد تمدّد حلف الناتو ووصل إلى حدود روسيا، وتتجاوز ميزانية الدفاع الأميركية الميزانية الروسية بأضعاف، وكانت مظاهر الغطرسة وازدواجية المعايير كفيلة بتشويه الجهود الأميركية الرامية إلى نشر الديمقراطية في الخارج، ومع ذلك، تحمل نظرة الكرملين إلى الوضع القائم نفحة من جنون الارتياب.

ينظر بوتين إلى معظم المعلومات التي تصل إلى مكتبه بعين الشبهة، وبدأت هذه النزعة تنعكس على سياسته الخارجية بشكلٍ متزايد، فهو مقتنع مثلاً بأن الولايات المتحدة، لا موسكو، تتدخّل في الانتخابات الخارجية، بما في ذلك انتخابات روسيا. يذكر مجلس الأمن الروسي أن الاعتداءات الإلكترونية ضد روسيا زادت بمعدل 11 مرة في السنوات الثلاث الأخيرة، وبدل اعتبارها من تخطيط المقرصنين والمحتالين (إنه نتاج حتمي لدخول البلد السريع إلى العصر الرقمي)، يضع المجلس هذه التطورات في خانة "الأدلة" التي تثبت حصول نشاطات خارجية عدائية.

عندما تتجاهل واشنطن مراراً وتكراراً عروض موسكو للتعاون معها، يجد القادة الروس مبرراً للاقتناع بأن الولايات المتحدة جهة عنيدة ومتنمّرة تريد متابعة التدخّل في شؤون البلدان المستقلة الأخرى.

بدأت روسيا تقترح عقد اتفاق لتعزيز التعاون في مجال الأمن الإلكتروني أو ميثاق يضمن عدم التدخل في شؤون الطرف الآخر منذ عام 2017، حين اتّهمت الولايات المتحدة روسيا للمرة الأولى بالتدخل في الانتخابات الأميركية لعام 2016، وهذه الاقتراحات تساعد موسكو في إنكار الادعاءات التي تتّهمها بالتدخل وتُسهّل عليها إلقاء اللوم على الولايات المتحدة. وَصَف أندريه كروتسكيخ، مبعوث بوتين في مجال أمن المعلومات، منطق تفكير موسكو في عام 2018 على الشكل التالي: "وفق وسائل الإعلام الأميركية، تدخّلت الولايات المتحدة جدّياً في شؤون بلدان أخرى 85 مرة على الأقل، وتدخّل الأميركيون في استحقاقاتنا السياسية أيضاً. نحن لن نطلق أي وعود أو تصريحات أحادية الجانب ولا ننوي طبعاً أن نتلقى اللوم على أي حوادث يُزعَم أن روسيا متورطة فيها".

تسمح الاتفاقيات المقترحة لروسيا بالتأكيد على الظلم الذي تتعرض له وإثبات تعنّت واشنطن، وفي عام 2019، أجاب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن سؤال بشأن الادعاءات المرتبطة بتدخّل بلده في "التقرير حول التحقيق بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2016" من إعداد المستشار الخاص روبرت مولر، فقال إن الولايات المتحدة رفضت التعاون: "لقد عرضنا أن نتعاون منذ وقتٍ طويل لدعم أي شكوك قائمة بالوقائع... لكنهم كانوا يرفضون دوماً".

عرض مضاد

هذه الحلقة المفرغة من الاتهامات والعروض الروسية اللاحقة لعقد صفقة مشتركة والمواقف الأميركية الرافضة تؤكد خطاب موسكو الذي يوجّه السياسة الروسية، فوفق مصادر الكرملين، تتدخل الولايات المتحدة في السياسة الروسية لكنها تنكر ذلك، ولهذا السبب، ستتدخل روسيا أيضاً ثم تنكر تورطها، وترفض واشنطن التعاون مع خصمٍ غير جدير بالثقة، وتستعمل موسكو ذلك الرفض لتبرير خطابٍ يسمح لها بإلقاء اللوم على الطرف الآخر.

لا يستطيع الأميركيون وحلفاؤهم الأوروبيون أن يُحمّلوا الكرملين مسؤولية أفعاله، لكنهم قادرون على نشر الفكرة القائلة إن جهود الكرملين لإيجاد مكانته في العالم باتت أقل إقناعاً، وبدل تجاهل اقتراح موسكو أو رفضه بكل بساطة، يُفترض أن تقلب الولايات المتحدة الطاولة وتقدّم عرضاً مضاداً قد تقبله روسيا أو ترفضه (الرفض هو الخيار الأقرب إلى الواقع).

حين تتعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في شؤون الآخرين، يمكنها أن تثبت انفتاحها على خيار التعاون البنّاء، حيث سيكون التعاون المتبادل مهماً لموسكو أكثر من واشنطن لأن الكرملين يحاول أن يثبت أن البلدَين متساويان، لكن لن يرغب أي بلد في التعاون في مجال الأمن الإلكتروني أو تقاسم المعلومات مع شريك يخترق أحزابه السياسية ويسرّب البيانات، وفي ظل هذه الظروف يجب ألا تلتزم واشنطن بأي نوع من الاتفاقيات حول الأمن الإلكتروني مع روسيا، بل من الأفضل أن تُركّز على التعهد بعدم التدخل، فتُحضّر وثيقة خاصة بها حيث تُحدد بكل وضوح معنى التدخل السياسي الحقيقي، ليستطيع هذا التعهد لاحقاً أن يُلزِم موسكو وواشنطن بالامتناع عن أي نشاطات مماثلة.

من المتوقع أن ترتبك موسكو أمام أي اقتراح مضاد من هذا النوع، فقد كان الكرملين في موقفٍ مريح وهو يطلق تصريحات فضفاضة وغير قابلة للتنفيذ عما ينوي فعله، لكننا نتكلم هذه المرة عن وثيقة خطّية يوقّع عليها الطرفان ويتعهدان فيها بالامتناع عن تحركات معينة.

قد تتردد موسكو في الموافقة على الأرجح، فهي لا تريد أن تُحدد الولايات المتحدة الأجندة المرتقبة عبر تعريف معنى التدخل، وستعترض أيضاً على استبعاد جميع التدابير الأخرى التي تطالب بها لأنها تضع موسكو بمساواة الولايات المتحدة، ويجب ألا تتوقع واشنطن أكثر من ذلك.

حين يرفض بوتين

عندما تقترح الولايات المتحدة هذا الاتفاق، ستفضح خداع بوتين، لا سيما إذا قرر الروس عدم التوقيع على الوثيقة، فمن خلال تعريف معنى التدخل السياسي غير المقبول (اختراق خوادم الأحزاب السياسية وتسريب محتواها مثلاً أو استعمال مواقع التواصل الاجتماعي في البلد لاستغلال الانقسام السياسي)، سيُضعِف الاتفاق المحتمل قدرة القادة الروس على إنكار التُهَم الموجّهة ضدهم والاختباء وراء الأعذار نفسها، كذلك سيمنع هذا التفسير الواضح موسكو من تعقيد الوضع واعتبار الولايات المتحدة الجهة التي "تتدخل" في شؤون روسيا. بالنسبة إلى الرأي العام العالمي، ستكون الوثيقة التي تُحدد مطالب الولايات المتحدة بدقة وتذكر التنازلات التي تستطيع تقديمها أكثر أهمية بكثير من الجهود الأميركية الرامية إلى التصدي لتصريحات روسيا التي تنكر فيها الوقائع أو عمليات التدقيق بالمعلومات ودحض الادعاءات الكاذبة حول المساعي الأميركية لـ"تدمير" روسيا.

من خلال تقديم هذا التعهد كي توقّع عليه روسيا، تستطيع الولايات المتحدة أن تثبت استعدادها لإقامة تعاون بنّاء مع الطرف الآخر، ضمن حدود واضحة وبموجب قواعد شفافة، وبغض النظر عن موافقة موسكو أو رفضها، لن تتمكن روسيا في هذه الحالة من اعتبار واشنطن الطرف المتمرّد، كذلك سيكون رفض التوقيع على الاتفاق الذي كان في الأصل اقتراحاً روسياً أشبه باعتراف ضمني بأن روسيا تتدخّل فعلاً في الاستحقاقات السياسية الأميركية.

تخوض الولايات المتحدة وروسيا حرباً كلامية انعكست بكل وضوح على ثقة الرأي العام، حيث يشعر الأميركيون بالقلق من أن تُضعِف روسيا مصداقية انتخاباتهم، ولهذا السبب، سيسمح التوافق على ميثاق معيّن بإضعاف الخطاب الروسي القوي الذي يكمن وراء أي تدخّل محتمل. قد لا يمنع هذا العرض روسيا من متابعة تصرفاتها الراهنة بالضرورة، لكن ستواجه موسكو حينها صعوبة مضاعفة في إثبات صحة مواقفها.

● آنا أروتونيان