لن يُحدد الرئيس الأميركي المقبل، بغض النظر عن هويته، دور الولايات المتحدة المستقبلي في العالم، فجو بايدن لا يعترف بوجود مشكلة أصلاً، ولا يملك الرئيس دونالد ترامب أي حلول.

بعد ثلاثة عقود على بدء حقبة ما بعد الحرب الباردة، لا تحمل الولايات المتحدة سبباً شائعاً ومقنعاً لامتلاك قوة عالمية واسعة، إذ تحتل الهيمنة الأميركية المسلّحة اليوم مكانة مشابهة لما كانت عليه في مجالات الهجرة الليبرالية أو التجارة الحرّة أو التأمين الصحي الخاص منذ عشر سنوات، وتتعامل النُخَب السياسية مع هذه الهيمنة وكأنها أمر مفروغ منه لكنها ستواجه تحديات ضمنية في المراحل المقبلة.

Ad

يشتق أحد التحديات من تجربة حديثة العهد: كانت الحروب الأميركية كفيلة بنشر الفوضى في أنحاء الشرق الأوسط الكبير وجَلْب العنف المسلّح إلى الشوارع الأميركية، فثمة مصدر محتمل آخر للتحديات المرتقبة: في ظل تراكم الديون تحت أنظار الليبراليين والمحافظين، سيواجه المعسكران ضغوطاً كبرى لتخفيض المبلغ السنوي الذي تخصصه الحكومة للأمن القومي وتفوق قيمته التريليون دولار.

انحراف عن الهدف

لكن تشتق أعمق التحديات من الماضي، فمن المبرر ألا يفهم عدد كبير من الأميركيين اليوم السبب الذي يفسّر الدور الأميركي في حراسة العالم: لقد انحرف التفوق الأميركي العسكري عن هدفه الأصلي، فمنذ ثمانين سنة، حين كانت الولايات المتحدة تستعد للمشاركة في الحرب العالمية الثانية، اتخذت قراراً مصيرياً يقضي بتحقيق التفوق العسكري والحفاظ عليه لفترة طويلة في المراحل اللاحقة، وكان ذلك القرار دراماتيكياً في تلك الحقبة لكنه أصبح راسخاً اليوم فجعل القادة الأميركيين يعتبرون الهيمنة العسكرية الطريقة الوحيدة لضمان تواصل الولايات المتحدة مع العالم.

يُعتبر تاريخ 7 ديسمبر 1941 وصمة عار في التاريخ الأميركي، فقد شهد ذلك اليوم هجوم اليابان على "بيرل هاربور" ومهّد لدخول الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية، لكن القادة الأميركيين كانوا يخططون حينها لترسيخ مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى خلال الحقبة اللاحقة، فقد اتخذوا هذا القرار بسبب حدث صادم حصل قبل 18 شهراً وتمثّل بسقوط فرنسا أمام ألمانيا النازية.

عندما انهارت فرنسا خلال ستة أسابيع، سيطر أدولف هتلر فجأةً على أوروبا، ثم انضم بعد فترة قصيرة إلى إيطاليا الفاشية واليابان الإمبريالية لتشكيل تحالف "دول المحور"، ونتيجةً لذلك واجه الأميركيون للمرة الأولى احتمالاً واقعياً بتفوق قوى توتاليتارية في أوروبا وآسيا؛ لذا صادق الكونغرس سريعاً على قرار الحشد العسكري الواسع وأول مشروع قانون على الإطلاق في زمن السلم.

لكن المراقبين الدقيقين لاحظوا أن الولايات المتحدة تواجه موقفاً لا تُحسد عليه، فكتب الصحافي والتر ليبمان تزامناً مع انهيار فرنسا: "نحن لن نتعرض للغزو"! منعت المحيطات، بدعمٍ من الدفاعات الجوية، أي هجوم يمكن إطلاقه من نصف الكرة الأرضية الآخر. وكان اقتصاد البلد مستقلاً أصلاً، لا سيما بعد حقبة الكساد العظيم، مما يعني أنه لم يكن يتكل على التجارة الخارجية.

تحالف انتقائي

لهذه الأسباب، أراد بعض الأميركيين حراسة نصف الأرض الغربي ضد أي اعتداء خارجي لكن من دون تجاوز هذه الحدود، ونتيجةً لذلك، نشأ تحالف انتقائي شمل الاشتراكي الديمقراطي نورمان توماس، والرئيسَين المستقبليَين جون كينيدي وغيرالد فورد، والطيار المعادي للسامية تشارلز ليندبيرغ، فاجتمعوا تحت شعار "أميركا أولاً". كان هذا التحالف يأمل ترسيخ النزعة الأميركية التقليدية إلى الابتعاد عن التشابكات السائدة في "العالم القديم" والحفاظ على "العالم الجديد" كمعقل للحرية.

لكن اكتسبت معظم النُخَب في مجال السياسة الخارجية وجهة نظر مختلفة، فقد يبقى البلد آمناً عبر تجنب الانجرار إلى سياسة القوة الأوروبية، لكن كانت الولايات المتحدة، أو الطبقة الحاكمة فيها، تطمح إلى تحقيق أهداف أخرى، لقد تمنّت أن تتفاعل وتتعامل مع الجانب الآخر من العالم وترسم وجهة التاريخ بنفسها، لم تكن هيمنة دول المحور تطرح خطراً على الأراضي الأميركية بقدر ما تُهدد رؤيتها التوسعية، ولو بقيت الولايات المتحدة معزولة، لأصبحت "أشبه بجزيرة وحيدة في عالمٍ تطغى عليه فلسفة القوة" كما قال الرئيس فرانكلين روزفلت في يونيو 1940 الذي حذّر من احتمال أن يؤدي هذا المصير إلى جعل الشعب الأميركي "أسير سجنٍ دائم، فيبقى مكبّلاً وجائعاً ويتلقى فتات أسياد القارات الأخرى الفوقيين وعديمي الشفقة من وقتٍ لآخر".

كان روزفلت محقاً، فقد بقيت الولايات المتحدة آمنة ومزدهرة وفرضت سيطرتها إقليمياً، لكن بعدما أثبتت القوى التوتاليتارية قدرتها على التفوق في أوروبا وآسيا، أصبحت القيادة في نصف الكرة الأرضية في حالة شبه معزولة أو في سجن بمعنى الكلمة. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إنشاء عالم جديد من دون أن تكسب القوة العسكرية اللازمة لفرض هيمنتها، لكن حتى لو فشل النازيون في التفوق على غيرهم، ما هي القوى التي ستكرر هذه المحاولة بعدهم؟ أصبحت الولايات المتحدة مضطرة إذاً لحمل السلاح لهزم القوى التوتاليتارية اليوم ولردع أي قوى مماثلة غداً.

ثمن الهيمنة

أدرك الخبراء أن الهيمنة العالمية ستترافق مع ثمن باهظ: حروب دائمة وتحوّل الولايات المتحدة إلى ما يشبه الإمبراطورية، فاختصر المحلل العسكري هانسون بالدوين رؤية زملائه المخططين في عام 1941 بعبارة "هيمنة الولايات المتحدة والإمبراطورية البريطانية على العالم". لم يتردد المثقفون أيضاً في التكلم عن العواقب المحتملة، فذكر الناشر الشهير هنري لوس في مقالته التي أعلنت بدء "القرن الأميركي" أن "الأنظمة الاستبدادية قد تحتاج إلى مساحة كبيرة للصمود، لكن تحتاج الحرية في المقابل إلى مساحة أكبر بكثير من الاستبداد وسيبقى الوضع كذلك دوماً".

على مر نصف قرن، نجحت القيادة الأميركية في بلوغ الأهداف التي حددتها لنفسها، وحققت الولايات المتحدة انتصارات مطلقة على دول المحور في عام 1945 وعلى السوفيات في عام 1991، مع أنها تابعت استعمال العنف ضد غواتيمالا وفيتنام وبلدان أخرى. طالما يتابع الحكام التوتاليتاريون الانتشار في العالم ويهددون بكبح المسار الليبرالي وتخريب "النظام العالمي"، تتمسك الولايات المتحدة بأساس منطقي لمساعيها المكلفة التي تهدف إلى فرض هيمنتها المسلّحة.

حين انهار الاتحاد السوفياتي، نادراً ما فكّر المسؤولون بالتخلي عن الواجبات الأميركية أو تقليص الانتشار الأميركي، بل إنهم عمدوا إلى توسيع التزاماتهم، فبدا وكأن الحلم الأصلي بنشوء عالم موحّد يخضع لإشراف الولايات المتحدة ويلتزم بشروطها منذ عام 1945 بدأ يتحقق أخيراً، فمن يستطيع أن ينكر غياب أي بديل عن القيادة الأميركية في "النظام العالمي الجديد" الذي أعلنه الرئيس جورج بوش الأب حين كان يستعد للحرب على العراق؟ في مطلق الأحوال، سُحِقت روسيا وبقيت الصين فقيرة، ثم خفّضت الولايات المتحدة إنفاقها العسكري، ومع ذلك أصبحت أعظم قوة عالمية بحلول نهاية حقبة التسعينيات.

مرّت العقود ولم يظهر أي أعداء توتاليتاريين بدل الأعداء القدامى، وبالكاد تمكّن خصوم الولايات المتحدة الجدد من اكتساب أي قوة عالمية مؤثرة في حين حاول القادة الأميركيون وضع الدول الضعيفة في خانة "محور الشر" أو تصنيف التهديد الإرهابي كجزءٍ من "الفاشية الإسلامية". في بداية القرن الحادي والعشرين، كانت الولايات المتحدة القوة الوحيدة التي سعت إلى الهيمنة على العالم وإجبار الآخرين على الرضوخ لها وتجاهل القواعد المعمول بها، ونتيجةً لذلك، بدأ التفوق الأميركي يعوق البلد مع أنه نشأ في الأصل لتسهيل التواصل العابر للحدود، واليوم تنشر الولايات المتحدة قواتها العسكرية في أكثر من 170 بلداً، وينشط جيشها ضد الإرهاب في 40% من دول العالم تقريباً، وتخضع عشرات البلدان للعقوبات الأميركية.

قوة توتاليتارية توسعية

يعترف الكثيرون بهذه التجاوزات في واشنطن اليوم، ويتعهد ترامب وبايدن معاً بوضع حد للحروب اللامتناهية، ويعتبر القادة في الحزبَين الجمهوري والديمقراطي الصين الخصم الذي كانت الولايات المتحدة تبحث عنه: إنها قوة توتاليتارية توسعية وقد يؤدي احتواؤها إلى استرجاع مبرّر التمسك بالقوة الأميركية. تكلّم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عن "الإيديولوجيا الصينية التوتاليتارية المفلسة" للإعلان عن فجرٍ جديد للقيادة الأميركية، فقال في يوليو الماضي: "نعتبر حماية حرياتنا من الحزب الشيوعي الصيني مهمّة هذا العصر".

لكن إلى أي حد يمكن اعتبار كلامه صحيحاً؟ الصين دولة استبدادية بدأت تكتسب نفوذاً متزايداً، لكنها لا تشبه ألمانيا النازية أو روسيا السوفياتية كونها منفتحة على التجارة، حتى لو لم تكن شروطها عادلة دوماً. كذلك، من المستغرب أن تصبح أهم دولة تجارية في العالم مصدراً محتملاً للتهديدات التوتاليتارية، حيث تؤثر جميع نشاطاتها على مسار العالم، وعلى عكس الخصوم في القرن العشرين، تمتنع الصين منذ وقتٍ طويل عن عمليات الغزو المسلّحة، فقد تُهدد بكين تايوان، لكن لا أحد يظن أنها توشك على غزو بلدان حليفة للولايات المتحدة مثل كوريا الجنوبية أو اليابان.

في مرحلة معينة، ظنّ الأميركيون أن الهيمنة المسلّحة أعاقت تواصل بلدهم مع العالم وأفسدته ولم يكن هذا التوجه يوماً ركيزة لخططها، ومن الواضح أن هذا المفهوم تلاشى اليوم وأصبح في طيّ النسيان، لكنه لم يندثر بالكامل بعد.

*ستيفن ويرثيم