رغم نفي مؤسسة الموانئ الكويتية ما ورد على لسان مديرها العام في أحد المواقع الإخبارية الإلكترونية (زاوية) بشأن تعليق الكويت لمشروع ميناء مبارك الكبير، في جزيرة بوبيان، لحين إجراء مزيد من دراسات الجدوى، فإن الخبر والنفي فتحا باب النقاش حول أحد أهم المشاريع الاستراتيجية والتنموية، في وقت تتعاظم حاجة الكويت إلى إجراء تغيير هيكلي في طبيعة اقتصادها، وفقاً للتحديات المتزايدة في أوضاعها المالية.

فمشروع ميناء مبارك يعتبر ركنا أساسيا ضمن ما يعرف برؤية الكويت 2035 القائمة في فلسفتها العامة على تطوير المنطقة الشمالية من البلاد، لتكون بيئة استثمار لقطاعات متنوعة تجذب الأموال والمشاريع المحلية والأجنبية، بعيداً عن الارتهان للنفط وتقلباته، ويربط الكويت بشبكة ترانزيت للبضائع والسلع تربط بين قارات العام القديم آسيا وأوروبا وإفريقيا، غير أن أوضاع العمل في الميناء وتحدياته المحلية والخارجية تشير إلى أن مصاعب الواقع أكثر موضوعية من مصاعب الرؤية، بل إن أقل ما يواجه مشروع الميناء من تحديات هو التعثر والتأخير في العمليات الإنشائية، إذ كان من المفترض عند بدء العمل فيه عام 2004 أن تنتهي المرحلة الأولى من الميناء بحلول عام 2015، على أن تنتهي المراحل اللاحقة وعددها 4 (تالياً تم إلغاء الرابعة) بحلول عام 2021، لكن آخر بيانات صدرت منتصف هذا العام تشير إلى أن نسبة تنفيذ المرحلة الأولى من الميناء تصل الى 53 في المئة حتى الآن، في حين كشف مدير مؤسسة الموانئ، في بيان رسمي صادر من المؤسسة، أن «العمل بالمشروع متوقف من النواحي الإنشائية»، دون بيان الاسباب.

Ad

ولعل تأخر العمليات الإنشائية وتعثرها أقل ما يواجه مشروع الميناء من تحديات، بسبب وجود معضلتين ربما تؤديان إلى إلغاء او تجميد مشروع ميناء مبارك، وبالتالي الغاء او عدم جدوى كل ما يطرح بشأن رؤية الكويت 2035 أو مدينة الحرير والمنطقة الشمالية.

خلافات مع العراق

المعضلة الأولى تتمثل في الخلافات مع العراق في جوانب تتعلق بالحدود البحرية من ناحية، واعتبار بغداد ميناء مبارك منافساً لميناء الفاو من ناحية أخرى. وفي الحقيقة فإن فاعلية ميناء مبارك لا يمكن ان تكون مجدية ما لم ترتبط بتسهيلات واستثمارات ومشاريع من الجانب العراقي، أي بصيغة أسهل: إيمان كلا البلدين بجدوى المشروع، وهذا لا يعني ان تتخلى الكويت عن مشروع ميناء مبارك، بقدر ما يتطلب منها ان تجعل دبلوماسيتها تنعكس إيجاباً على المصلحة الاقتصادية للبلاد، بالتوازي مع تحقيق مصالح مشتركة لدول الاقليم، فالكويت تتمتع بعلاقات قوية مع حكومة بغداد منذ سقوط نظام صدام عام 2004، بل لديها علاقات ممتازة حتى مع كيانات وقوى عراقية خارج إطار الحكومة، والكويت ايضا هي التي بادرت قبل عامين لإطلاق «مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق»، بهدف تمويل العديد من المشاريع والخطط الاستثمارية والإنشائية كي يتجاوز العراق ظروفه الصعبة.

ولعله من المفيد التساؤل عن جدوى وجود علاقات دبلوماسية مميزة مع أي دولة، إن لم تنعكس هذه العلاقات ايجابا على المصالح الاقتصادية للبلاد ومشاريعها الحيوية، أو على الاقل لتحقيق مصلحة مشتركة للبلدين.

ضبابية المشروع

أما المعضلة الثانية فتتمثل في ضبابية الغرض من وجود الميناء، وهي ضبابية الرؤية التي تشمل مشروع الحرير نفسه والمنطقة الشمالية، وهذه المشاريع كلها طرحت كعناوين عريضة دون تفاصيل فنية عن مدى علاج المشروع لاختلالات الاقتصاد، خصوصاً تمويل الميزانية بالإيرادات غير النفطية وإصلاح التركيبة السكانية وسوق العمل وكيفية إعادة احياء مشروع الكويت كميناء تجاري ترانزيت، في ظل عدم جاهزية أهم دولتين في الامتداد الجغرافي للمشروع، وهما إيران والعراق، فكلاهما غير مستقر ومتعثر بمشاريع التنمية. وهذه ليست دعوة لإلغاء المشروع او التخلي عن الميناء، بقدر ما هي دعوة للواقعية في التعامل مع المعطيات. صحيح أن موقع الكويت الجغرافي يمنحها امتيازات تجارية ولوجستية، لكنه ايضا يفرض عليها تحديات أمنية وجيوسياسية عالية، ولعل التعويل الكبير من جانب المشروع على العراق وإيران كمحطة انطلاق يمكن أن يتناسب مع الدول المستقرة، او تلك التي لدى قيادتها رغبة حقيقية في التنمية والتعاون الاقتصادي، غير أن العراق (بوابة التصدير الأولى لميناء مبارك) يمثل نموذجاً للدولة شبه الفاشلة، وتختلط فيه أعمال الحكومة الرسمية بالمليشيات غير النظامية، أما إيران فخاضعة للعقوبات الدولية منذ زمن، والتعامل معها تجارياً أمر محفوف بالمخاطر على الدول والبنوك والشركات... وكلا البلدين لديهما سجل غير مبشر في مؤشرات التنافسية الاقتصادية الدولية؛ كالشفافية وسهولة الأعمال او البنية التحتية او الاستعداد التكنولوجي وغيرها مما يمثل عبئا في تحقيق نجاح اي مشروع استراتيجي طويل الأمد.

تقييم الجدوى

إن تقييم جدوى المشاريع الاقتصادية الكبرى خصوصا في منطقة الخليج، وتحديدا في حالة ميناء مبارك الكبير يمكن تلخيصها من جانبين: الاول في مدى تقديم المشروع فوائد للبلاد كمالية عامة واقتصاد وشركات صغيرة كانت ام كبيرة، فضلاً عن توفير فرص عمل للشباب الكويتي بما يخفف العبء عن القطاع العام، وبالتالي الميزانية العامة للدولة، والثاني ما يخلقه هذا المشروع من بذرة منفعة اقتصادية تخفف من حالة الاحتقان في الإقليم وتجعل تشابك المصالح هي أساس العلاقات بين دوله لا المغامرات غير المحسوبة التي يذهب ضحاياها أبناء هذه الدول، فضلاً عن مستقبلها.