في يوم واحد أوصلت إيران رسائل استثنائية إلى جوارها العراقي، بعد أسابيع من خطوات متلاحقة قامت بها حكومة بغداد في محاولة لضبط الفصائل المسلحة ذات النفوذ الكبير في ملفات الأمن والاقتصاد، لكن هذه الجماعات أعلنت أمس الأول قاعدتين جديدتين، تردان مباشرة على رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وفريقه.

ومن محيط مدينة تكريت مسقط رأس صدام حسين، حتى حي الكرادة الراقي في بغداد، رسمت إيران حداً فاصلاً بين ما تسمح به وما لا تسمح به، حسب وصف الصالونات السياسية في بغداد، لحادثة خطف واغتيال نحو 12 مواطناً وشرطياً سنياً شمال العاصمة، ثم إحراق مقر أكبر حزب كردي في قلب بغداد.

Ad

ورغم أن طهران دانت الحادثتين عبر وكلائها، فإن الجميع يعلم كيف تكتب الرسائل هذه، وجاء إحراق مقر حزب مسعود البارزاني أقوى الزعماء الأكراد في العراق والمنطقة، عقاباً له لاقترابه من فريق رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، حسب الأوساط الكردية والعربية التي رأت في ذلك إعلاناً إيرانياً أنه لا حصانة لأي حزب أو شخصية عراقية تريد الوقوف في وجه سياسة إيران ودعمها للميليشيات كدولة موازية للدولة داخل العراق.

وكان مسؤولون بارزون في حزب البارزاني، بينهم هوشيار زيباري وزير الخارجية الأسبق، وفؤاد حسين وزير الخارجية الحالي، انتقدوا بأشكال مختلفة دعم إيران للميليشيات، مطالبين إياها بالتعامل مع بغداد الدولة، لا بغداد الفصائل.

وحذّر ساسة عراقيون من أن يؤدي ذلك إلى إثارة نعرات قومية وانقسامات، تستفيد منها الفصائل المسلحة، وسط أقصى مستويات الضغط التي تتعرض لها السياسة الإيرانية، وما ينتج عن ذلك عادةً من تنفيس على مسرح الاشتباكات العراقي.

أما في شمال بغداد فإن حادثة الاختطاف تضمنت قدراً من الخطورة أكبر، ودفعت رئيس الحكومة لزيارة مكان الحادث مع كبار قادة الأمن صباح أمس، قبل مغادرته إلى باريس، متوعداً بإعادة النظر في صيغة الإدارة الأمنية للمدن السنية المحررة من «داعش»، وذلك وسط دعوات لإخراج ميليشيات الحشد الشعبي من تلك المناطق بعد أن تحولت إلى سلطة قمع ونفوذ مرفوضة من المجتمعات السنية والشيعية أيضاً، لتورطها في الفساد، وفي ضرب المصالح الأميركية، وقمعها احتجاجات حركة تشرين الشعبية.

لكن إيران التي تضطر لتقليل نفوذها في الحدود الشمالية بين العراق وسورية، تتمسك بخط بري يربط طهران بدمشق عبر طريق يمر بمحاذاة تكريت مسقط رأس صدام حسين، ويتطلب الأمر تعديلاً في الخريطة السكانية حول مقتربات تلك الطرق، كانت حوادث القتل وزعزعة الأمن هناك جزءاً من ترتيباتها حسب المصادر المطلعة.

وبصعوبة بالغة، تتعايش قواعد عسكرية أميركية ومقرات للفصائل المسلحة الموالية لطهران، على طول الخط البري الرابط بين حدود العراق مع إيران شرقاً، حتى حدوده مع سورية غرباً، وعدا مناوشات وقصف ثانويين في معظم الأحيان، تحاول أميركا تقليص نفوذ إيران هناك، وقطع طريقها نحو البحر المتوسط، بينما تضغط طهران لجدولة انسحاب القوات الأميركية من تلك المناطق، رغم إعلان الفصائل الموالية لحرس الثورة، هدنة نادرة أوقفت صواريخ الكاتيوشا والعبوات الناسفة خضوعاً لتهديدات ووساطات محلية ودولية.