أحيا لبنان، أمس، ذكرى مرور عام على انطلاق تظاهرات شعبية مناوئة للسلطة ومطالبة برحيلها، عبر سلسلة تحركات وتظاهرة مركزية من وسط بيروت إلى موقع انفجار المرفأ المروع، في وقت تتخبّط البلاد في أسوأ أزماتها الاقتصادية والسياسية.

وتوافد مئات من المتظاهرين إلى وسط بيروت بعد ظهر أمس. وقال عبد صباغ (70 عاماً): "نحن منذ عام في الشارع، نرفع مطالب معيشية وحياتية واقتصادية، ولم يتغيّر شيء حتى الآن".

Ad

وأضاف: "مطلبنا تغيير الطبقة السياسية الفاسدة التي ما زالت تتناحر على الحصص والمناصب والكراسي، وما زال فسادها حاضرا في الدولة".

وفي 17 أكتوبر 2019، شكّلت محاولة الحكومة فرض رسم مالي على خدمة الاتصالات المجانية عبر تطبيق واتساب الشرارة التي أطلقت أول التحركات. وخرج مئات آلاف اللبنانيين إلى شوارع بيروت والجنوب والشمال والبقاع في تظاهرات غير مسبوقة تخطت الانتماءات الطائفية والحزبية.

ورفع المتظاهرون صوتهم عالياً في وجه الطبقة السياسية مجتمعة. وطالبوا برحيلها، متهمينها بالفساد وعدم المبالاة، وحمّلوها مسؤولية تردي الوضع الاقتصادي وضيق الأحوال المعيشية.

ومنذ ذلك التاريخ، شهد لبنان أزمات متتالية من انهيار اقتصادي متسارع فاقم معدلات الفقر، إلى قيود مصرفية مشدّدة على أموال المودعين، وتفشّي وباء كوفيد-19، وأخيراً انفجار مرفأ بيروت المروع الذي حصد أكثر من مئتي قتيل وآلاف الجرحى، وألحق أضراراً جسيمة بعدد من أحياء العاصمة والنشاط الاقتصادي.

وشكّل رحيل الطبقة السياسية مطلب المتظاهرين الرئيسي. وتحت ضغط الشارع قدّم رئيس الحكومة حينها سعد الحريري استقالته. وفي يناير، شكلت حكومة جديدة برئاسة حسان دياب، بدعم من حزب الله وحلفائه الذين سمّوا وزراء اختصاصيين من خارج الطبقة السياسية.

وتراجع زخم التحركات الشعبيّة مع تشكيل الحكومة التي أقرّت ورقة اقتصادية إنقاذية.

وأدى انفجار مرفأ بيروت، إلى تأجيج غضب الشارع مجددا، الذي اتهم الطبقة السياسية بالإهمال. فخرجت تظاهرات حاشدة، تخللها أعمال شغب واستهداف متظاهرين بشكل متعمّد. وقدّم دياب استقالته في 10 أغسطس.

وفشلت القوى السياسية الشهر الماضي في ترجمة تعهّد قطعته أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتشكيل حكومة يرأسها مصطفى أديب في مهلة أسبوعين وفق خريطة طريق فرنسية.

وإثر اعتذار أديب، منح ماكرون في 27 سبتمبر، القوى السياسية مهلة جديدة من "أربعة إلى ستة أسابيع" لتشكيل حكومة.

وأرجأ رئيس الجمهورية ميشال عون الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس حكومة إلى الأسبوع المقبل، في وقت يبدو أن الحريري الذي قاد اتصالات كثيفة لتسميته خلال الفترة الماضية، يحظى بغالبية تمكّنه من تولي مهمة تشكيل الحكومة، في خطوة تثير غضب محتجين مناوئين للسلطة وبعض القوى السياسية.

وكرر عون، في تغريدة أمس، استعداده للعمل مع المتظاهرين. وقال: "بعد مرور عام على انطلاقة التحركات الشعبية، يدي لم تزل ممدودة". وأضاف: "لا إصلاح ممكناً خارج المؤسسات، والوقت لم يفت بعد".

وفي مواجهة تصلّب القوى السياسية أمام مطالب المتظاهرين، لم تثمر بعد محاولات توحيد صفوف المجموعات المدنية والسياسية.

وفي تغريدة، كتب الباحث والأستاذ الجامعي جميل معوض أنّ "الافتقار إلى البرامج السياسية والقيادة جعلت المسار والتقدم أمراً شاقاً وصعباً".

إلا أن الأكاديمي والوزير السابق طارق متري اعتبر في تغريدة أنّ "قوة الحركة الشعبية في استمرارها". وأضاف: "يتعذر قياسها بما تحقق على صعيد التغيير السياسي ولا بقدرتها على توليد نخب سياسية جديدة، بل بالوعود التي تواصل حملها".