هذا السؤال طرحه الدبلوماسي الأردني مروان المعشر في معرض تقييمه عن فترة وجوده كسفير لبلاده في إسرائيل، انطلاقاً من فهمه للعقلية الإسرائيلية التي يجهلها 98% من المجتمع العربي على حد قوله.

الفكرة التي حاول تصويبها في المقابلة التي أجراها معه "برنامج الجوهر" التابع لمؤسسة "لوياك" الأهلية وإدارته الإعلامية جيزيل خوري ونشرته جريدة "الجريدة" قبل نحو أسبوعين، تقوم على مفارقة غاية في الصعوبة، وهي أننا اعتبرنا من تمسكوا بالبقاء في أرضهم "خونة" ومن تركوها "أبطالاً"! وفي مقاربة كهذه نكون كمن يمارس المنطق الأعوج.

Ad

من يعنيهم السفير المخضرم هم "عرب 48" وللمفارقة التاريخية أن نواب "عرب فلسطين" في الكنيست وعددهم 13 نائباً قاطعوا جلسة التصويت للمصادقة على "اتفاق السلام" مع دولة الإمارات بسبب حكومة كارثية يقودها نتنياهو تعمق الاستيطان وتعمل على إجبار الفلسطينيين على الاعتراف بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي!

لو تناولنا الفكرة بشكل آخر، ماذا لو خرج هؤلاء من فلسطين ولم يبق فيها أحد من شعبها؟ فكيف ستكون الصورة اليوم؟

النتيجة الأولى التي ستتحقق لإسرائيل أنها لن تشعر بأكبر خطر ديمغرافي يهدد وجودها وستشعر بالأمان كونها دولة قومية دينية للشعب اليهودي، ولن ينغّص حياتها وجود مليون ونصف عربي فلسطيني داخل "أراضيها"، ولن تصحو غولدا مائير يوماً والتي رحلت عن دنيانا لتسأل عن عدد المواليد الجدد للفلسطينيين الذين كانوا يؤرقون حياتها، وتعيش كما غيرها من اليهود هاجس التكاثر الفلسطيني!

"عرب 48" مظلومون من محيطهم العربي أولاً ومن جيرانهم في "الدولة" اليهودية ثانياً، فهم عاشوا في عزلة منذ عام 1952 إثر صدور قانون المواطنة الذي أغلق الباب أمام الفلسطينيين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم بعد هذا التاريخ، هؤلاء هم من بقي في قريته أو بلدته بعد حرب 1948 وعادوا إلى بيوتهم قبل إغلاق الحدود.

كانوا عام 1952 نحو 156 ألفاً، واليوم قاربوا المليونين، وتحديداً مليون وسبعمئة ألف فلسطيني موزعين على شمال فلسطين ومنطقة المثلث وصحراء النقب، ولولا وجود هؤلاء لما بقي شيء اسمه فلسطين أو عرب فلسطين.

عزلتهم عن باقي أجزاء فلسطين استمرت في المرحلة الأولى نحو 19 عاماً إلى حين فتح المعابر مع الضفة وغزة، وبعد احتلال من قبل إسرائيل عام 1967، ثم عاشوا مرحلة انفراج جزئي إثر توقيع معاهدات السلام مع الأردن ومصر واتفاقية أوسلو عام 1993 مع منظمة التحرير.

وعلى الرغم من أنهم يمثلون "القنبلة الموقوتة" نظراً لتزايد أعدادهم بنسب أعلى من اليهود وتشكيلهم "خطرا ديمغرافيا" على الدولة، فإنهم بقوا في دائرة التشكيك من قبل أنظمة عربية ثورية وجماهير عربية انساقت وراءهم!

الحقيقة أن هناك نسبة لا بأس بها من النخب الاجتماعية ورجال الأعمال والتجار الكبار والعوائل الثرية هم الذين غادروا ديارهم وأرضهم، خصوصاً سكان المدن الكبيرة كحيفا ويافا وعكا ونابلس، ومن بقي كان غالبيتهم من أبناء الريف والمزارعين أصحاب الأرض الحقيقيين.

وحتى لا نظلم المجتمع ونصدر أحكاماً عامة ونضع كل من غادر أرضه في سلة واحدة، فالمسألة لا ينظر إليها هكذا وبتوصيفهم "بالأبطال"! فهذا التقييم لا يستوي مع الواقع، إنما بالنظر إلى أوجه الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يتحتم علينا الاعتراف بأن بقاء عرب 48 والنقب والمثلث منحهم حق المشروعية للمطالبة بأرضهم وحقوقهم، ليس ذلك فقط بل استطاعوا الحفاظ على "هويتهم" وإلا لصدقت مقولة الإسرائيليين بأن فلسطين هي أرض بلا شعب! خصها الرب فقط لشعب الله المختار!

اليوم عرب 48، الرقم الصعب في معادلة "يهودية الدولة" والتي أسقطت حقوقهم وأعطت لإسرائيل "الرخصة" للتعامل معهم كمواطنين يحملون جنسيتها من الدرجة الثانية!

وفي كل الأحوال يبقى وجودهم "تهديداً استراتيجياً" لها أو كما أسماهم المؤرخ والأستاذ في جامعة بن غوريون، البروفيسور ليني موريس "الخطر الرابع" الذي يعرّض الدولة العبرية إلى المخاطر، بخلاف إيران والجماعات التي تسير في كنفها كحزب الله وحركة حماس.

هذا الوجود يدفع اليوم بجيل الخمسينيات من أبناء الفلسطينيين والعرب إلى السؤال: هل يمكن أن تصبح إسرائيل "دولة طبيعية" تتخلى عن وظيفتها الدينية والاستعمارية وكأنه لم يكن هناك شعب فلسطيني ولا تاريخ ولا جغرافيا قبل إنشائها عام 1948، ونبدأ صفحة جديدة، و"يا دار ما دخلك شر"؟ أم نجاري من يستمرئ اليوم تجهيلنا بتحليلاته الهلامية ونذهب معه للقول "لو قدّر الله واتخذ نتنياهو قرار الخروج من كل الأراضي الفلسطينية وتركت الأمور للفلسطينيين فالدماء ستسيل إلى الركب"!