قبل قرابة السنتين، وبتاريخ 28 نوفمبر 2018، كتبتُ في هذه الزاوية مقالاً بعنوان "اعتلال المجلات الثقافية العربية" وجاء فيه: "وضع المجلات الأدبية العربية يستحق الوقوف أمامه كثيراً، ويرتفع السؤال: هل ثمة جدوى من المجلات الثقافية الأدبية؟" واليوم، وبعد زلزال كورونا الذي هزّ وحطم العالم، ولم يزل ممسكاً به، فلقد غدا السؤال أكثر إلحاحاً، فإحدى أهم نتائج كورونا هي أنه أخذ البشرية، والجموع الشبابية، على وجه الخصوص إلى عالم مواقع الإنترنت، ومحركات البحث، وشبكات التواصل الاجتماعي، وشركات التوصيل. وجاء بما يسمّي بـ "الجديد المعتاد-The New Normal" ومعه بدأت البشرية تعتاد ممارسات وعادات جديدة، وعلى رأسها قرب والتصاق بشري أكثر بالكمبيوتر والهاتف النقال، والتواصل مع العالم عبر الشاشة. فكل طلبات وحاجات الإنسان يجدها بلمسة زر، وما تلبث أن تصله به إلى مبتغاه. هذه العلاقة اللحظية بين الإنسان والآلة، وبمزيد من تكرارها، حتى وصولها إلى لاوعي الإنسان، أصبحت بمنزلة المفتاح لتفكيره ومسلكه، وبات يبحث عن التلفون ومحرك البحث في موقع "غوغل-Google"، قبل أن يفكر أو يسأل أي شخص أو كتاب أو مرجع عن أي سؤال يعرض له! وكم يبدو هذا المسلك حاضراً في تصرفات أبنائنا من الأجيال الصغيرة والناشئة، وهذا يحتم علينا بالضرورة إعادة النظر في الكثير من قناعتنا وعاداتنا، وواحدة من تلك القناعات والعادات، من يخص الكتاب والمجلة والمكتبة والقراءة.

نعم، الكثير الكثير من المكتبات وحول العالم، اندثرت وكأنها لم تكن في يوم من الأيام خلايا نحل، تعج بالبشر والنشاط الفكري، وتتمخض عن أبحاث ودراسات وكتب، شكّلت نظرة الإنسان لنفسه وما حوله. لكن، التغيّر هو سنة الحياة الوحيدة التي لا تتغيّر، فنحن نعيش عصراً يختلف عن القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وحتى عن القرن العشرين. ولا أبالغ إذا ما قلت: إننا نعيش عصراً ما عاد يشبه العام الماضي، عام ما قبل كورونا، حتى أن المفكر والصحافي الأمريكي، "توماس فريدمان" Thomas L. Friedman، في مقال له في جريدة "نيويورك تايمز" The New York Times، بتاريخ 17 مارس/ 2020 يقول: "إن جائحة كورونا ستكون بداية لتقويم جديد للعالم، وخطاً فاصلاً لحقبة ما "قبل كورونا"World Before Corona B.C.، وما "بعد كورونا" World After Corona A.C. ". وهذا يأخذنا لضرورة التوقف أمام أمور كثيرة واجبة التغيير، ومن بينها المجلات الأدبية العربية.

Ad

هناك مجلات عربية نابهة، وعلى رأسها مجلة العربي الكويتية، التي صدر عددها الأول في شهر ديسمبر عام 1958، لتشكل حضوراً صبغ الوجدان العربي بصبغة العربي، وتوجه العربي، واستطلاعات العربي، وأبواب العربي، وكتّاب العربي. حتى أنني كنتُ في زيارة للسودان، عام 2017، وكعادتي في استيقاظي المبكر، وعشقي للأنهار، تركت الفندق باكراً، ونزلت أتمشى بقرب النيل، فوجدت رجلاً، ربما كان في بدايات السبعين، جالساً لوحده أمام صفحة النيل المترقرقة، فصبّحت عليه، وجلست بقربه، ومن باب بدء الحديث معه، قلت له من باب التعريف: "أنا من الكويت."، فالتفت إليَّ وقال: "وأنا من قراء العربي." وكم حملت إجابته العفوية والكريمة من دلالة لامست قلبي، وفتحت بيننا حديثاً عطراً.

لقد تغيّر العالم، وبما يستوجب بالضرورة وقوفاً مستحقاً أمام المجلات الأدبية العربية، وفي جميع الأقطار العربية، لمواجهة الذات وإثارة الأسئلة التالية: لمن نتوجه بإصدارنا؟ وما هي الرسالة التي نطمح في إيصالها للقارئ؟ ومن هي شريحة القراء التي نستهدف؟ وهل من استبيان حقيقي من الموزعين عن أعمار واهتمامات القراء الذين تصلهم المجلة؟ وما هو مدى استمتاعهم ورضاهم عنها؟ وكم تراه التوزيع الحقيقي لأي مجلة؟ وأخيراً، السؤال الصعب: هل من جدوى حقيقية لإصدار المجلة؟

أعلم أن مواجهة الإجابة تحتاج لشجاعة، لكني أعلم أيضاً، بشح ميزانيات وأموال أي مؤسسة ثقافية عربية، وضرورة توجيهها لأنشطة ثقافية عصرية، وهذا أهم بكثير من إصدار مجلة لا يقرأها أحد! وللحديث بقية.