عام 1919، وقبل ميلاد حضرة صاحب السمو المرحوم الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح (1929-2020) طيّب الله ثراه، بعشر سنوات، كان والده سمو الشيخ أحمد الجابر (1885-1950) هو أول شيخ كويتي يزور بريطانيا، وكان ذلك قبل أن يتولى الحكم بحوالي سنتين، أي في عام 1919م، حيث نظمت بريطانيا العظمى آنذاك حفلاً كبيراً بحضور العديد من رؤساء الدول الصديقة لها، بمناسبة انتصارها على الدولة العثمانية وحلفائها في الحرب العالمية الأولى... أذكر هذه الحادثة لأدلل منها على أن المرحوم سمو الشيخ صباح الأحمد الصباح، ولِد وترعرع في بيت حكم منفتح على العالم، وأنه منذ صغره سمع ورأى وعايش كل ما من شأنه أن يفتح ذهن سموه ووعي على انتمائه لوطنه بقدر اهتمامه بمحيطه الخليجي والعربي والعالمي، وهذا ما جاء منسجماً تماماً مع مسيرة ومآثر سموه رحمه الله.

إن المتتبع لمسيرة المرحوم بإذن الله، حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، يرى بوضوح انشغال فكره بمشاريع ثقافية ذات صبغة عابرة لبيئتها وأهلها ومتصلة بالآخر عربياً وإنسانياً وعالمياً، وعلى رأس تلك المشاريع تأتي عنايته بمجلة العربي، وهو صاحب فكرتها، منذ ولادتها وانطلاقها عام 1958، وقبل أن تنال الكويت استقلالها، بتأسيسها لفكر عروبي إنساني جعل منها واحدة من أهم المجلات الثقافية العربية، التي استطاعت في واحدة من أهم فترات استقلال ونهوض الأوطان العربية، أن تكون جسر وصلٍ بين العربي وأخيه، وأن تكون بحق مجلة الإنسان العربي، والأسرة العربية، وأن تخرّج أجيالاً من قرائها بانتماء حقيقي لقضايا الأمة العربية من جهة، وبوعي بمجريات العالم: فكرياً وعلمياً وثقافياً وفنياً من جهة ثانية. إن مجلة العربي هي واحدة من المشاريع الثقافية العابرة للمكان التي عُني بها المرحوم حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح، في بداية شبابه، حيث إن الوقوف أمام فكرتها ومنهجها ومسارها، يقدم ملمحاً دالاً لشخصية سموه، فهو حامل فكرٍ يرى أن الوصل البشري والسلم والسلام، هما شأنان يمكن لهما التحقق على أرض الواقع المضطربة بأهواء النفس البشرية، متى ما توفر لهما شخص أو منظمة أو هيئة تؤمن بمبدأ التعايش السلمي الإنساني. ولذا جاء اختياره وزيراً للخارجية منذ التشكيل الوزاري الثاني عام 1963 منسجماً جداً مع تطلعات نفسه الإنسانية، وليُكتب له لاحقاً أن يكون شيخ شيوخ وزراء الخارجية بخبرته وحنكته ومعايشته للأحداث العربية والعالمية، وأخيراً وانسجاماً مع قناعاته واهتمامه بقضايا الإنسان والسلم، جاء تتويجه زعيماً للعمل الإنساني، ولم يكن ذلك إلا انسجاماً واضحاً مع مراد نفسه الطاهرة، وسيراً حثيثاً على درب الوصل الإنساني الذي فتح عينيه عليه.

Ad

إن أحد وجوه اهتمام سموه بالعمل الإنساني، تمثّل في وقوفه إلى جانب حق وقضايا المرأة، فسموه كرجل شرقي عايش هموم الإنسان وأوجاعه، أدرك بثاقب رؤيته الدور العظيم الذي تنهض بها المرأة في مجتمعاتنا الشرقية وحجم الظلم الآثم الواقع عليها، وبالتالي ترجم قناعاته بتمكين المرأة الكويتية من الحضور المحلي والعربي والعالمي إلى جانب زميلها الرجل، وبما يشكل بعداً إنسانياً من أبعاد شخصية سموه، فهو لم يكن ككثير من الرجال في عموم المجتمعات البشرية، يُظهر قناعة ويُبطن غيرها، بل كان كتاباً مفتوحاً بأوراق ستبقى ناصعة أبداً. إن المهام العظام التي ألزم سموه نفسه الأبية بها، وكرّس لها الاهتمام والوقت والجهد المخلص، وأصرّ حتى آخر أيام حياته، على السير في دروبها، خليجياً وعربياً وعالمياً، إنما تشير بشكل واضح إلى خسارة كبيرة مُني بها العالم برحيل سموه إلى جوار ربه.

بقيت دلالتان مهمتان من دلائل شخصية حضرة صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الصباح، طيب الله ثراه، الأولى تتمثل في تلك الابتسامة التي لم تفارق محياه، وفي أحلك الظروف، وحيثما كان، وكذلك عشقه للأطفال وتواضعه الجم بقربهم، ففي قرارة نفسه، أسكنه الله فسيح جنانه، كان موقناً بأن الابتسام دواء للجرح الإنساني، وكزارع أملٍ كان يرى في الطفولة رِهان غدٍ مؤمل.

حضرة صاحب السمو، الشيخ صباح الأحمد الصباح، لروحك الطاهرة الرحمة الواسعة والغفران، ولنا في أخيك حضرة صاحب السمو الشيخ نواف الأحمد الصباح، خير سلف لخير خلف... آمين.