كشفت حملة الضغوط القصوى التي أطلقتها وزارة الخارجية الأميركية ضد إيران شرخاً كبيراً بين إدارة ترامب والثلاثي البريطاني الفرنسي الألماني، إذ لم يرفض الأوروبيون الانضمام إلى حملة العقوبات الاقتصادية فحسب، بل تصدّوا أيضاً لمحاولة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو تمديد حظر الأسلحة ضد إيران.

شددت تلك الحملة في الوقت نفسه على قوة تحمّل إيران باعتبارها أول دولة راعية للإرهاب في العالم، حيث تابعت إيران ابتكار الوسائل لتقوية عملائها رغم فشلها السياسي والاقتصادي في الدول الموالية لها، على غرار لبنان وسورية واليمن، وترافقت العقوبات الاقتصادية مع انعكاسات كبرى على طهران، لكن أثبت النظام مجدداً أنه يستطيع الصمود لفترة إضافية.

Ad

عاشت إيران في ظل العقوبات طوال أربعين سنة تقريباً، مما يعني أنها تجيد الصمود في الظروف الاقتصادية الصعبة، فقد كانت حملة الضغوط القصوى تحتاج إلى إضافات في الاستراتيجية الكبرى التي ترتكز على تشديد العقوبات الاقتصادية، فالعقوبات تعتبر جزءاً من السياسة الخارجية، لكنها ليست وسيلة مهمة بحد ذاتها بل تخدم هدفاً معيناً، وتتطلب أي استراتيجية تجاه طهران مقاربة مدروسة وشاملة لا يستطيع النظام الإيراني توقّعها.

أمام هذا الوضع، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب التاريخ من أوسع أبوابه، وخلال فترة ثلاثين يوماً، سهّلت هذه الإدارة الأميركية تطبيع العلاقات بين إسرائيل وبلدَين عربيَين بارزين، وهذا التطبيع السريع بين دول عربية وإسرائيل قد يُمهّد لإطلاق استراتيجية إقليمية تسمح بِحَشْر إيران في الزاوية، والأهم من ذلك هو أن هذه المناورات الاستراتيجية ليست من النوع الذي يتوقعه القادة في إيران.

يحمل التطبيع مع إسرائيل بُعداً استراتيجياً، إذ تتمتع البلدان العربية التي طبعت مع إسرائيل بنفوذ كافٍ لإطلاق حقبة تُحدد معالم الوحدة العربية وتخلق حاجزاً أمام الطموحات الإيرانية في المنطقة، ومع مرور الوقت ستُمهّد الجهود الرامية إلى ترسيخ الوحدة العربية لنسف رؤية إيران المبنية على التعصب الثوري وتقليص عملائها.

تهدف "اتفاقيات أبراهام" إلى إعطاء طابع رسمي للعلاقات بين إسرائيل والدول العربية ورفع الضوابط المفروضة على حركة الناس والتجارة في أنحاء المنطقة بطرقٍ لم تكن ممكنة منذ بضعة أشهر فقط، وبدأ إسرائيل والعرب يقتنعون بمنافع الازدهار المشترك والسلام والفرص المتبادلة وبات من الأصعب تقسيمهم عن طريق الإرهاب وتدابير أخرى صمّمتها طهران لتأجيج الأزمات والانقسامات في أنحاء الشرق الأوسط.

يُعتبر العراق أيضاً جزءاً من استراتيجية إدارة ترامب للشرق الأوسط، فمنذ الغزو الأميركي للعراق في 2003، توترت العلاقات بين بغداد والبلدان العربية المجاورة لها، لا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، واكتسبت إيران ثقة القادة السياسيين والعسكريين في بغداد، وانعكس هذا الوضع على كل رئيس وزراء عراقي جديد منذ أن فتح نوري المالكي المجال أمام التدخل الإيراني، حيث كان النفوذ الإيراني في بغداد نقطة الخلاف الأساسية مع الدول العربية المجاورة.

وجد العراق صعوبة في خلق الفرص المناسبة للتخلص من النفوذ الإيراني حتى ظهور مصطفى الكاظمي، فقد بدا رئيس الوزراء الجديد، منذ توليه منصبه في مايو 2020، واعداً في طريقة تواصله مع الولايات المتحدة في شؤون السياسة الخارجية، لا سيما في الملف الإيراني.

كجزءٍ من الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق في 19 أغسطس 2020، شدّد الأميركيون مجدداً على دعمهم للإصلاحات الاقتصادية العراقية، لا سيما في قطاع الطاقة، وركّزت الخطط على زيادة إنتاج الكهرباء والغاز في العراق، لكنها سمحت أيضاً بإبرام اتفاقيات طاقة مع شركات أميركية، كذلك، وقّع العراق على مذكرة تفاهم مع "شيفرون" و"بيكر هيوز"، وتوضح هذه الاتفاقيات طبيعة الشراكة الأميركية العراقية في مجال الطاقة.

تصل قيمة هذه الاتفاقيات إلى 8 مليارات دولار على الأقل وقد تسمح للعراق في نهاية المطاف بالتخلي عن اتكاله على مصادر الطاقة الإيرانية، وقد تكلم ترامب عن هذه الشراكة في البيت الأبيض في 20 أغسطس 2020 واعترف في الوقت نفسه بخطورة النفوذ الإيراني، حيث ينتشر عملاء إيران في العراق أكثر من أي بلد آخر في الشرق الأوسط، لا سيما أن قائد فيلق القدس المقتول قاسم سليماني كان قد ربط العراق بميليشيات شيعية مُكلّفة بالقتال دفاعاً عن القيم الإيرانية، ولا تزال هذه الجماعات مؤثرة في أنحاء البلد وهي تطرح تهديدات متزايدة على المصالح الأميركية.

ألما كيشافارز وكيرون سكينر *