بعكس المواقع السابقة، تبدو المنشآت الجديدة دائمة وشبيهة بالسجون الصينية الأخرى من حيث البناء والحراسة المشددة. ما من مساحة واسعة بين مختلف المباني في المُجمّعات المحصّنة وتشمل هذه المراكز باحات تحيط بها جدران خرسانية وتتّسم ببناء حجري ثقيل وشبكات طويلة من الأروقة التي تشمل زنزانات في نهاية كل طرف منها. تبدو التصاميم أشبه بالكهوف وتسمح بوصول كمية ضئيلة من الضوء الطبيعي إلى داخل المباني.

بعد تعديل المباني الحكومية لاستضافة عشرات آلاف المعتقلين على الأقل بدءاً من نهاية عام 2017، بدأت الحكومة تبني منشآت جديدة وأكبر حجماً في ربيع العام 2018. انتهى العمل على عدد منها في 2018، ثم زادت أعدادها على مر عام 2019 ويستمر بناء مراكز إضافية حتى الآن.

Ad

تؤكد الحكومة على أن معسكراتها هي مدارس ومراكز للتدريب المهني حيث "يتخلص المحتجزون من نزعاتهم المتطرفة". لكن استعملت الوثائق الحكومية الداخلية المرتبطة بالسياسات المعتمدة في "شينجيانغ" مصطلح "الاعتقال" لوصف "المدارس التعليمية".

تزعم الحكومة أيضاً أن حملتها تحارب التطرف في المنطقة، لكنّ معظم المحتجزين في تلك المراكز ليسوا متطرفين بأي شكل.

وفق وثائق مسرّبة ومقابلات مع معتقلين سابقين، تتعدد المخالفات التي أدت إلى دخول المسلمين إلى المعسكرات، منها تنزيل تطبيق "واتساب" الممنوع في الصين، والحفاظ على روابط مع أفراد العائلة في الخارج، والصلاة، وزيارة موقع إلكتروني أجنبي. وبما أن الحكومة لا تعتبر معسكرات الاعتقال جزءاً من نظام العدالة الجنائية ولا تندرج هذه السلوكيات في إطار الجرائم بموجب القانون الصيني، لم يتم اعتقال أحد رسمياً أو اتهامه بأي جريمة ولم يدخل أي سجين يوماً إلى المحاكم.

صرّح المعتقلون في المعسكرات لموقع "بازفيد نيوز" بأنهم تعرضوا للتعذيب والجوع، والازدحام المفرط، والحبس الانفرادي، وتحديد النسل القسري، ومجموعة من الانتهاكات الأخرى. هم يقولون إنهم يشاركون في برامج لغسل الدماغ تُركّز على الحملة الدعائية الخاصة بالحزب الشيوعي ولا تُستعمَل فيها إلا اللغة الصينية. اعترف عدد من المعتقلين السابقين أيضاً بأنهم أُجبروا على العمل من دون تلقي أي أجر في المصانع.

تحصر الحكومة تحركات الصحافيين والباحثين المستقلين في المنطقة وتفرض رقابة مشددة على شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام المحلية. قد تُعاقَب الأقليات المسلمة على خلفية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن لا تزال الصور التي تلتقطها الأقمار الاصطناعية وتجمعها جهات مستقلة خارج نطاق الرقابة الحكومية الصينية.

تسرّبت أنواع مختلفة من الأدلة بين فترة وأخرى. في سبتمبر الماضي، انتشر فيديو يظهر فيه مئات الرجال معصوبي العيون وحليقي الرأس ومكبلين بقيود وراء ظهرهم ويرتدون سترات كُتِب عليها عبارة "مركز اعتقال كاشغر". يقول ناثان روزير، باحث في "المعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية" قام بتحليلات مكثفة لصور الأقمار الاصطناعية التي ترصد أنظمة الاعتقال والسَجن في "شينجيانغ": "يكشف الفيديو عملية نقل السجناء في نيسان 2019، بعد أشهر على تصريح الحكومة بأن هذا النظام يهدف إلى التدريب المهني". كانت تحليلات سابقة، منها تحليل أجراه "المعهد الأسترالي للسياسة الاستراتيجية" في 2018، قد رصدت أيضاً عشرات المعسكرات سابقاً.

الإبادات الجماعية

يوضح راين ثام، عالِم في تاريخ الإسلام في الصين من جامعة "نوتنغهام": "يرتكز برنامج الاعتقال في "شينجيانغ" عموماً على منطق الإبادات الجماعية الاستعمارية في أميركا الشمالية، والمفهوم الرسمي للفصل العنصري، وطابع الاعتقال الصناعي في معسكرات ألمانيا، واختراق الدولة البوليسية لحياة الناس اليومية في كوريا الشمالية".

سبّبت هذه الحملة أضراراً كبرى لعدد من الأقليات المسلمة، وعلى رأسها جماعة الإيغور التي تُعتبر حتى الآن الفئة العرقية الأكثر اكتظاظاً بالسكان في مدينة "شينجيانغ" ولا تربطها أي علاقة ببلد آخر. فرضت الحكومة الصينية عقوبات مشددة على أي مظاهر مرتبطة بثقافة الأقليات، بدءاً من التعليم باللغة الكازاخستانية والإيغورية، وصولاً إلى ممارسة الإسلام خارج المساجد التي تسيطر عليها الدولة. إلى جانب ممارسات التعقيم القسري، دفعت هذه الظروف ببعض النقاد إلى اعتبار هذه الحملة بمثابة إبادة جماعية بموجب القانون الدولي. يُقال إن إدارة ترامب تناقش احتمال اعتبارها "إبادة"، وقد أعلن المتحدث باسم جو بايدن أن المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية يؤيد هذا التصنيف.

لطالما كانت مكانة الأقليات المسلمة، لا سيما الإيغور، محفوفة بالمخاطر في الصين منذ وصول الحزب الشيوعي إلى السلطة في العام 1949. لكن تدهورت الأوضاع سريعاً اعتباراً من العام 2016، عندما طبّقت الحكومة نظاماً من المراقبة المشددة لِجَرّ المسلمين إلى نظام متوسّع من معسكرات الاعتقال تحت شعار "التحوّل عن طريق التعليم". دعا تشن كوانغو، أمين عام الحزب الشيوعي في المنطقة، جميع المسؤولين إلى جمع كل من يستحقون الاعتقال.

في مرحلة سابقة، حوّلت الحكومة المدارس ودور المسنين والمستشفيات والمباني العامة إلى معسكرات اعتقال، واستعملت مراكز اعتقال قديمة أخرى أيضاً. رصد موقع "بازفيد نيوز" 47 مقراً بُنِي قبل العام 2017 لاحتجاز الناس في المنطقة.

معسكرات الاعتقال

يكون بعض مراكز الاعتقال مصمّماً لإطلاق المحتجزين بعد مرور بضعة أشهر. لكن يقول أدريان زانز، باحث مرموق في مجال الانتهاكات في "شينجيانغ"، إن المعتقلين في مراكز أخرى قد يُحكَم عليهم بالسجن لفترة طويلة. اعترف ثلاثة معتقلين سابقين باحتجازهم طوال أشهر من دون توجيه أي تُهَم ضدهم قبل نقلهم إلى معسكرات الاعتقال. تسارعت وتيرة الاعتقالات في العام 2017 وتضخمت أعداد المحتجزين في المعسكرات سريعاً إلى أن ضاق المكان بالسجناء.

أجرى موقع "بازفيد نيوز" مقابلات مع 28 معتقلاً سابقاً في المنطقة، ووصف عدد كبير منهم ممارسات التكبيل وعَصْب العيون. هم جزء من أقلية ضئيلة من المعتقلين السابقين الذين تحرروا وغادروا البلد، لكنهم يصفون نظاماً وحشياً شهدوا على توسّعه وتغيّره أمام أنظارهم.

يتذكّر معظمهم اضطرارهم للتنقل من معسكر إلى آخر ويظن الكثيرون أن هذا التكتيك كان يهدف إلى تجنب الاكتظاظ المفرط في الجيل الأول من المنشآت الموقّتة. في بداية الحملة، كان مئات الناس يصلون يومياً ثم راحت دفعات جديدة من المعتقلين تتوافد ثم تغادر باستمرار.

تكلم بعض المعتقلين السابقين عن نوم كل سجينَين في سرير مزدوج أو التناوب على النوم حين لا تتّسع الغرفة لجميع المحتجزين. واعترف الجميع تقريباً بتلقي كميات ضئيلة من الأرز وأرغفة الخبز الساخنة والعصيدة وكمية صغيرة أو معدومة من اللحوم أو بروتينات أخرى.

هيئات حكومية

في صباحٍ بارد من أيام ديسمبر الماضي، عقد شهرت ذاكر، حاكم "شينجيانغ" وثاني أقوى مسؤول فيها، مؤتمراً صحفياً نادراً في المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الواقع في مُجمّع سكني مغلق في وسط بكين. هذا المكتب هو واحد من هيئات حكومية قليلة تتواصل مع الصحفيين المحليين والدوليين بانتظام في الصين. جلس ذاكر مع أربعة مسؤولين آخرين على منصة طويلة في الجزء الأمامي من غرفة صغيرة. استغل المسؤولون هذه الفرصة للإشادة بالنمو الاقتصادي في المنطقة وزعموا أن حملة الصين ضد الإرهاب في "شينجيانغ" نجحت، واعتبروا الحكومة الأميركية منافقة لأنها تنتقد انتهاكات حقوق الإنسان في الصين. في الأيام اللاحقة، لم تتكلم عناوين الصحف العالمية إلا عن ذاكر وحده.

وصف ذاكر الوضع بطريقة إيجابية حالمة واعتبر المحتجزين في المعسكرات "متدربين" وأضاف قائلاً: "لقد تخرجوا جميعاً واستفادوا من وظائف مستقرة بمساعدة الحكومة وحسّنوا نوعية حياتهم وهم يتمتعون الآن بحياة سعيدة".

فيما راح المراسلون يدوّنون تعليقاته، كانت عملية بناء مقر ضخم وخاضع لحراسة مشددة قد أصبحت في مراحلها الأخيرة على بُعد 2500 ميل في "شينجيانغ" بالقرب من مقاطعة "شوفو" الإيغورية، في جنوب نهرٍ متعرج يتدفق نحو منطقة ريفية تنتشر فيها مزارع المواشي. تُعتبر "شوفو" صغيرة وفق المعايير الصينية ويقتصر عددها السكاني على 300 ألف نسمة تقريباً. بُنِي المعسكر الجديد في أرض زراعية يمكن الوصول إليها بأقل من 20 دقيقة بالسيارة.

أبراج حراسة

قبل أن يبدأ العمّال ببناء المشروع في مارس الماضي، كانت الأرض تحت موقع "شوفو" عبارة عن مزرعة تغطيها نباتات خضراء. بحلول أغسطس، كان العمال قد بنوا مقراً مُسيّجاً سميكاً مع أبراج حراسة في الزوايا وفي وسط الجدران على علو ستة أمتار. ثم شُيّدت المباني في الداخل مع هيكلَين من خمسة طوابق، فضلاً عن مبنى من طابقين على شكل نصف دائرة. وبحلول أكتوبر، سيظهر صفان من الأسلاك الشائكة على كل طرف من المُجمّع الأساسي ذات الجدران الخرسانية.

على عكس المعسكرات القديمة التي تغيّرت استعمالاتها مع مرور الوقت، غالباً ما تشمل السجون والمعسكرات الجديدة أنظمة أمنية مشددة وبوابات يصل طولها إلى أربعة طوابق وطبقات إضافية من الأسلاك الشائكة على طرفَي الجدران الأساسية. تثبت هذه الخصائص أن المواقع الجديدة تستطيع أن تضمّ مجموعات أكبر بكثير من المعتقلين على المدى الطويل.

الحبس الإنفرادي

لا تقتصر المعسكرات على زنزانات ينام فيها السجناء بل تشمل أيضاً صفوفاً للدراسة، وعيادات، وكافتريا، وحجرات خاصة بالاستحمام، وغرفاً للحبس الانفرادي، ومباني للشرطة، ومكاتب إدارية، ومراكز صغيرة للزوار. كذلك، يشمل عدد من المنشآت مصانع تتّسم بأسطح معدنية زرقاء ومغطاة بمسحوق بودرة وأُطُر فولاذية يمكن رؤيتها عبر صور الأقمار الاصطناعية التي التُقِطت حين كان مشروع البناء قيد التنفيذ. تقع مباني الشرطة في العادة بالقرب من مداخل المقر، بما في ذلك مواقع الحرس والموظفين الإداريين.

إقامة جبرية

تحرّر جميع المعتقلين الذين تواصلوا مع موقع "بازفيد نيوز" منذ وقت طويل ولم يدخل أيٌّ منهم إلى المنشآت الجديدة. قبل هربهم من الصين نهائياً، كانوا يخضعون لإقامة جبرية ويعجزون عن عبور حدود بلداتهم من دون أخذ الإذن من أحد ضباط الشرطة. لم يكن الكثيرون يتوقعون طبيعة مكان احتجازهم أو سبب اعتقالهم في الأساس. بل كانوا يستخلصون الاستنتاجات بناءً على جلسات استجواب أسبوعية حيث تسألهم الشرطة عن التحركات التي تجعلهم "غير جديرين بالثقة".

تعرّف رجل كازاخستاني متقدم في السن اسمه نورلان كوكتيباي على المعسكر الذي سيق إليه فور وصوله في 2017. كان ذلك الموقع مدرسة متوسطة قبل فترة قصيرة. قصدت ابنة نورلان تلك المدرسة في الماضي وكان يصطحبها من هناك.

إعادة التوطين

تظهر خطوط على وجه كوكتيباي المجعد حين يتكلم عن ابنته التي وُلدت في عام 1992 وانتقلت لاحقاً إلى كازاخستان التي تستقبل وفوداً من الكازاخستانيين المهاجرين من الصين بناءً على سياسة إعادة التوطين التي أقرتها الحكومة لصالح المنحدرين من أصل كازاخستاني. تناضل ابنته وزوجها هناك لإطلاق سراح كوكتيباي عبر نشر فيديوهات على يوتيوب وتوجيه رسائل طويلة إلى جماعات حقوق الإنسان. يظن الأب أن إطلاق سراحه في مارس 2018 يرتبط بحملتها. وبدل الصفوف التي كان يدرس فيها الطلاب الرياضيات أو التاريخ في الماضي، شاهد كوكتيباي داخل المعسكر غرفاً مكتظة فيها 40 أو 50 رجلاً ينامون على عدد صغير من الأسرّة الطبقية.

لم يكن ذلك المقر جديداً لكنه شمل خصائص مستحدثة، على غرار الجدران العالية والأسلاك الشائكة في محيط المكان. أصبح المعسكر مزوداً اليوم بكاميرات مراقبة تستطيع تصوير الأجسام على بُعد 200 متر. وفي إضافة جديدة أخرى، يشاهد كل من يدخل من البوابة لافتة حمراء ضخمة كُتب عليها عبارة "لنتعلم روحية المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي".

على غرار كوكتيباي، يقول عدد من المعتقلين السابقين إنهم تعرفوا على المنشآت التي احتُجزوا فيها بعد وصولهم إليها لأنهم كانوا قد تجولوا أو مرّوا بالقرب منها سابقاً. لكن لم تكن هذه المواقع المُعدّلة تهدف يوماً إلى استضافة السجناء وليست كبيرة بما يكفي لضم جميع الأقليات المسلمة التي تنوي الحكومة الصينية اعتقالها.

مراكز الاعتقال خارج نطاق القضاء

في بداية عام 2019، بدأ العمال يفرّغون الأراضي لتوسيع أحد المعسكرات في جنوب "أورومتشي" في بلدة "دابانتشنغ" التي أصبحت معروفة بعدما زارها مراسلون من "بي بي سي" و"رويترز" منذ سنة. كان المعسكر في "دابانتشنغ" يُعتبر أصلاً من أكبر مراكز الاعتقال في المنطقة وقد استضاف حتى 32500 شخص في تشرين الأول 2018. ومنذ انطلاق الخطة المستحدثة، بات يَسَع الآن حوالي 10 آلاف شخص إضافي. وفي تشرين الثاني من السنة الماضية، انتهى العمل على مركز آخر يستطيع إضافة 10 آلاف شخص ويَسَع ما مجموعة 40 ألف فرد، أي ما يساوي حجم مدينة "نياغارا فولز".

بعد التحقق من ثلاثة معسكرات، تقول إيمي لير، مديرة برنامج حقوق الإنسان في العاصمة واشنطن: "تتمتع هذه المنشآت بخصائص تتماشى مع مراكز الاعتقال خارج نطاق القضاء في منطقة "شينجيانغ" التي سبق وحللها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية".

يقول روزير: "يُعتبر المعسكر في "دابانتشنغ" نقطة التجمّع الأساسية في "أورومتشي". هو يمتد على طول كيلومترَين وقد توسّع في أواخر السنة الماضية بكيلومتر إضافي لتشييد منشأة جديدة مقابل الطريق الغربية".

لم يعرف كوكتيباي يوماً سبب اعتقاله لكنه تمكن في نهاية المطاف من الاستقرار في كازاخستان لأنه ينحدر في الأصل من هناك.

في يوم إطلاق سراحه، توقّع أن يشعر بالسعادة والراحة أو أي إحساس آخر، لكن لم تنتابه أي مشاعر محددة بل يقول: "لم أشعر بالسعادة ولا الحزن. لم أستطع أن أشعر بشيء. وحتى عندما اجتمعتُ بأقاربي مجدداً في كازاخستان، سألوني لماذا لا أبدو سعيداً برؤيتهم بعد هذه الفترة الطويلة. لا أستطيع تفسير ما أصابني... وكأن مشاعري ماتت حين كنتُ في المعسكر"!