لا يحتاج المرء إلى عناء كبير كي يعرف مقاصد عبدالوهاب راشد الهارون من وراء إصداره كتاب سيرة والده وأبنائه، ورغبته في الكتابة يوضحها في التقديم، وتتمثل في توثيق تاريخ عائلة الهارون وفي الدائرة الأوسع، ولو بإيجاز سريع، تاريخ الكويت.

وينفي الهارون صفة التفاخر والمباهاة عن دافعه لهذا العمل، بل هو يأتي لبنة في جدار ذاكرة وطن باعتبارها جزءا من نسيج المجتمع، واستلزم الأمر تناول نشأة الكويت ومواكبة هجرة عائلته إليها قادمة من «وادي رهاط» في إقليم الحجاز، وانتقالها الى منطقة الإحساء، والتطرق الى العلاقات المشتركة بين الكويت وهذا الاقليم، والتحقق من الروايات الشفهية والمكتوبة حول تلك الحقبة.

Ad

السير الذاتية

كان الحرص من صاحب الكتاب تخصيص فصل لكل شقيق من أشقائه، ليرووا تجربتهم ورؤيتهم الخاصة والمستقلة ليكون تجسيدا صادقا وحيويا.

الفصول الـ13 ستأخذك الى عوالم لم تألفها من قبل، ولمن تناول كتابة السير الذاتية لاسيما الفصل الأول، الذي يتناول نشأة الكويت وجذور عائلة الهارون، ثم رحلة تقصي آثار الأجداد في الاحساء وكذلك العلاقات بين الكويت والإحساء، وأيضا الفصل الأخير بعنوان «بيت حولي وماما مبروكة».

أهمية الكويت

أهمية الكتاب مستمدة بالاعتماد على عنصرين أساسيين في التوثيق، الأول ايراده لقائمة المراجع والمصادر والتي بلغت 95 كتابا، وشكلت مصدرا رئيسيا للأحداث، والثاني يتعلق بالعمل الميداني وسفراته الى اقليم الاحساء للوقوف على صحة الروايات المتناقلة، وبكونه إحدى المحطات المهمة التي توقفت فيها أسرة الهارون قبل هجرتها إلى الكويت، والتحري عن أملاكهم وما تركوه من آثار خلفهم، ليس طمعا في ربح مادي ولا تثبيت أملاك، ولكن مراحل البحث والتقصي.

جذور العائلة

يسرد في البداية ما أورده المؤرخون الأجانب والكويتيون والإقليم حول البدايات والتأسيس ويخلص بذلك الى استنتاج جملة حقائق:

أولا: الاختلاف حول تحديد نشأة الكويت بدقة، ثانيا: الاختلاف حول تاريخ بناء الكويت (القلعة)، وحول من قام ببنائه على هذه الاراضي، ثالثا: الاختلاف حول تاريخ محدد لهجرة العتوب من موطنهم الاصلي «الهدار» في وادي الدواسي بنجد، رابعا: الاختلاف حول تاريخ تولي آل صباح مسؤولية الحكم في الكويت.

ووسط تلك الظروف التي تم خلالها تأسيس الكويت جاءت هجرات بعض القبائل والعائلات، ومنهم عائلات «آل هارون»، بحثا عن الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وطلبا لمصادر رزق مستديمة وفي مجتمع فني وناهض.

«قبيلة هوازن»

تنتمي العائلة الى قبيلة عتيبة، وهي من أكبر قبائل نجد عددا وأوسعها بلادا وأصولها عدنانية، وأورد شجرة أنساب «قبيلة هوازن» لتوضيح نسب قبيلة عتيبة اليها وساكنها الطائف، وما حولها من أودية، ويتفرع من قبيلة عتيبة فرعان رئيسيان: «الروقة» و«برقا».

وهناك عدة عشائر في الوطن العربي تحمل اسم «بني عتيبة»، اما «العتوب» فهم تحالف من عشائر واسر هاجرت من نجد واستقرت على شواطئ الخليج، والاسم من فعل «عتب» أي ارتحل، وتنقل من مكان الى آخر، ومنهم تكونت الاسرتان الحاكمتان في الكويت والبحرين.

«وادي رهاط»

وعائلة «آل هارون» تنحدر من فخذ الاساعدة الذين هاجروا من موطنهم الاصلي في «وادي رهاط» الى بلدة بقعاء في نجد، وبعد ذلك تفرقوا في أقاليم وبلدات وسط الجزيرة العربية، ومنها الى اقليم الاحساء، وهناك اسسوا فريج العتيان في مدينة «المدز».

آل هارون في الكويت

هاجرت عائلة رشود الهارون الى الكويت في بداية القرن الثامن عشر، وكانوا يعملون في المواد الغذائية وغيرها من السلع المطلوبة، الى جانب تصدير الخيل الى خارج الجزيرة العربية، وسكنت العائلة في البداية بمنطقة الوسط في محيط قصر السيف، وتحديدا في منطقة بهيته، والتي تشغلها حاليا بلوكات سوق التجار، ومارسوا التجارة باللؤلؤ، التي كانت رائجة في حينه، وتحولت الكويت الى منطقة جاذبة لمزيد من المهاجرين من المناطق المحيطة والباحثين عن فرص عمل وملاذ آمن لهم، وخصوصا القادمين من شرق ووسط الجزيرة العربية.

التجارة والغوص

استمرت أسرة الهارون في العمل بمجال التجارة والغوص على اللؤلؤ جيلا بعد جيل، وكان منهم النوخذة عبداللطيف بن محمد سعيد الهارون، وبتجارة اللؤلؤ محمد سعيد الهارون، وتملكت العائلة بعض السفن.

وفي عام 1878 قام عباس الهارون ببناء مسجد في منطقة القبلة، وما زال، وهو مدرج ضمن المساجد التراثية القديمة.

واشار الى دور النوخذة عبداللطيف بن محمد سعيد الهارون في نقل رسائل الشيخ مبارك الصباح السرية من والى ممثل بريطانيا السياسيين في الخريج، والتي كانت تدور حول عقد اتفاقية الحماية التي تمت بعد ذلك عام 1899.

سنة الطاعون

تعرضت أسرة الهارون للاوبئة التي ضربت الكويت، وذهب ضحيتها المئات، وكان اكبرها سنة الطاعون 1831.

ويذكر المؤلف أن العائلات الكويتية والخليجية المتصاهرة مع عائلة آل الهارون بلغت 78 عائلة، بعضها مصاهرة مكررة عدة مرات.

وسكنت العائلة، في بداية مجيئهم الى الكويت، في حي الوسط، وفي الموقع المسمى مرتفع بهيته، ولان حفيد العائلة يملك منزلا في هذا الحي، وهو احمد بن محمد الهارون، ثم انتقل الى منزل مستقل في القبلة.

فريج سكة عنزة

انتقل عباس بن احمد الهارون من منزل العائلة في بهيته الى منذ جديد في منطقة القبلة، وفي نهاية القرن التاسع عشر تم بيع منزل الجد عباس، أما عبدالوهاب ابن عباس وابن اخيه احمد فقد انتقلا للسكن في فريج سكة عنزة، واستقرت العائلة به لنصف قرن حتى عام 1952، الى حين استكملت الجولة جميع منازل سكة عنزة في الخمسينيات لتطوير منطقة الأسواق (المباركية)، ثم كان منزل عباس الثاني بن عبدالوهاب الهارون في فريج الفهد، الذي أصبح جزءا من منطقة المباركية (ب)، وفي عام 1952 انتقل ابناء احمد عبدالله الهارون الى منطقة الصالحية.

بعدها يتعرض لمنازل ذرية محمد سعيد بن احمد الهارون ومنهم عبداللطيف، الذي سكن في فريج الجناعات، واستمر ابناؤه في هذا المنزل الى ان تم تثمينه، فإبراهيم انتقل الى الفيحاء واحمد الى القادسية، وكذلك منزل هارون بن عبداللطيف محمد سعيد الهارون انتقل الى المرقاب، ومنزل محمد بن هارون الى منطقة خيطان.

سيرة الوالد والأبناء

عاش يتيم الأب وهو في سن الـ14 من عمره ليتحمل مسؤوليته والده واشقاؤه، درس بالمباركية وتزوج من شيخة حمد عبدالله الحوطي، وانجبت 6 ابناء و5 بنات، هم على الترتيب: احمد، غنيمة، عبدالوهاب، خالد، مساعد، عبدالرحمن، ضياء، ابراهيم، وفاء، سناء، نداء.

في هذا الفصل، وضع شجرة ذرية راشد احمد الهارون في «مطوية»، والذي كان محبا للقراءة والاطلاع وشراء الدواوين الشعرية وحفظها.

وعمل كاتبا محاسبا لدى التاجر عبدالعزيز الزاحم في سوق التجار، ثم افتتح محله الخاص في سوق التجار، وتخصص في تجارة الجملة للواردات المصنعة في الهند، وفي عام 1949 امتلك سيارة بدفورد انكليزية الصنع وكذلك افراد العائلة.

وتمتع بسمعة حسنة لدى التجار الذين تعامل معهم، وكانت كلمة الشرف هي العقد بين الشاري والبائع.

بيت حولي و«مبروكة»

أفرد الفصل الأخير لبيت حولي والمربية «مبروكة»، لما لها من قواسم مشتركة بين الاشقاء، فبيت حولي شهد مرحلة الطفولة والشباب، ومكثوا فيه 14 عاما، حيث تعلموا في مدارسها وصولا الى مرحلة الجامعة، أما «ماما مبروكة» فكانت بمنزلة المربية.