يبدو أن تسميم زعيم المعارضة الروسي ألكسي نافالني نجح أخيراً في تقليب معظم الأوروبيين ضد فلاديمير بوتين ومشروعه المفضّل، أي خط أنابيب «نورد ستريم 2» بين روسيا وألمانيا.

في ظل تصاعد مشاعر السخط على خلفية تسميم نافالني والمخاوف من تفاقم الوضع في بيلاروسيا، أصبح أحد أهم مشاريع الطاقة من الناحية الاستراتيجية في العالم على المحك اليوم، حيث يشكّل خط أنابيب «نورد ستريم 2» طريقاً مائياً يربط بين «فيبورغ» في روسيا و»لوبمين» في شمال ألمانيا، ومن المنتظر أن يتجاوز شبكات خطوط الأنابيب في أوكرانيا وبيلاروسيا، فضلاً عن بولندا ودول البلطيق وبلدان أخرى من أوروبا الوسطى، وفي حال استكمال المشروع، ستتحول ألمانيا إلى مركز أساسي وتصبح أهم جهة توزع الغاز الروسي الذي تنتجه شركة الغاز الروسية العملاقة «غازبروم» في الاتحاد الأوروبي، حيث أبدى البرلمان الأوروبي والحكومة الأميركية معارضة قوية لهذا المشروع طوال سنوات لأسباب أمنية.

Ad

سبق أن دافعت الحكومة الألمانية عن خط الأنابيب باعتباره مشروعاً تجارياً بحتا، وتجاهلت برلين اعتراض البرلمان الأوروبي تزامناً مع الاحتجاج بقوة على ما يعتبره بعض الألمان تدخلاً أميركياً غير مقبول في الشؤون الأوروبية، لكن لا يصدق جميع الخبراء الأمنيين المحاولات الألمانية الرامية إلى تصوير خط الأنابيب وكأنه مشروع تجاري، فهو ليس مشروعاً اقتصادياً برأيهم بل جيوسياسياً.

لكن بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي بشأن مشروع «نورد ستريم 2»، يبدو أن المعطيات المرتبطة بتسميم نافالني سببت تحولاً كبيراً في المواقف الألمانية من فكرة التعاون مع الكرملين، وفي الأيام الأخيرة، طالبت شخصيات بارزة من الأحزاب السياسية الألمانية، بما في ذلك حزب أنجيلا ميركل، بإلغاء مشروع خط الأنابيب نهائياً.

صرّح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في 6 سبتمبر: «أتمنى ألا يجبرنا الروس على تغيير موقفنا من مشروع نورد ستريم 2»، وحذر ماس أيضاً من احتمال أن تبدأ برلين التفكير بفرض عقوبات مستهدفة إذا لم تتلقَ رداً مرضياً من موسكو خلال بضعة أيام.

أعلنت المستشارة الألمانية من جهتها أنها تخطط للتشاور مع الاتحاد الأوروبي والشركاء في حلف الناتو لصياغة رد مناسب خلال أيام، وفي الأسبوع الماضي صرّح أمين عام الناتو، ينس ستولتنبرغ، أمام الصحافيين بأن «أدلة مؤكدة» تثبت تسمم نافالني، يُعتبر استخدام الأسلحة الكيماوية خرقاً للمعايير والقواعد الدولية، لذا طالب ستولتنبرغ روسيا بتقديم الأجوبة وإبداء استعدادها للتعاون في تحقيق دولي محايد.

لكن كما كان متوقعاً، ردّ المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، على المطالب المتزايدة بتبرير ما حصل قائلاً إن اتهام الدولة الروسية في هذه القضية «لا أساس له»، وأضاف أن موسكو لا تزال تنتظر تفسيراً من برلين حول استنتاجها المرتبط بتسمم نافالني، كذلك لم يجد بيسكوف مبرراً لفرض أي عقوبات جديدة واعتبر الدعوات إلى وقف مشروع «نورد ستريم 2» مجرّد «تصريحات عاطفية لا ترتكز على وقائع ملموسة».

في ظل تصاعد الدعوات إلى التحرك في قضية تسمم نافالني، تجدر الإشارة إلى أن ألمانيا وروسيا وحدهما لطالما دعمتا خط الأنابيب، وهذا ما يجعله هدفاً واضحاً للعقوبات، سبق أن صوّت البرلمان الأوروبي بأغلبيته الساحقة على قرار وقف المشروع لكن تجاهلت شركة «غازبروم» ذلك التصويت وتابعت عملية البناء.

وفي الأيام الأخيرة من 2019، فرضت الولايات المتحدة عقوبات صارمة كانت كفيلة بوقف العمل على خط الأنابيب، لكن اضطر المسؤولون الأميركيون منذ ذلك الحين للإعلان عن جولة جديدة من العقوبات غداة محاولات روسيا إيجاد حل يسمح لها بإنهاء البناء رغم المساعي الأميركية لعرقلة المشروع.

كان مصير خط الأنابيب يتوقف ظاهرياً على نجاح روسيا في الالتفاف على العقوبات الأميركية، لكن أدى تسميم نافالني حديثاً إلى تغيير هذه المعادلة بطريقة جذرية، حتى صحيفة «بيلد» الألمانية المؤثرة دعت المستشارة ميركل صراحةً إلى «وقف خط أنابيب بوتين».

بغض النظر عما سيحصل في المرحلة المقبلة، سيبقى الأميركيون ملتزمين بمنع تشغيل خط أنابيب «نورد ستريم 2»، فقد أعلن السيناتور تيد كروز، أحد أبرز داعمي العقوبات، في يوليو 2020: «ثمة إجماع واسع بين الحزبَين الجمهوري والديمقراطي وبين المجلسَين التشريعيَين ومختلف الفروع التنفيذية في الحكومة الأميركية على ضرورة منع تشغيل خط أنابيب بوتين»، وسيبقى الوضع كذلك حتى لو فشلت موجة السخط الأوروبية الراهنة في وقف المشروع.

* «ديان فرانسيس»