يصادف شهر سبتمبر الجاري مرور عشر سنواتٍ كاملة على صدور المرسوم الأميري رقم (338) بتشكيل أول مجالس مفوضي الهيئة (8 سبتمبر 2010)، الذي أعقب صدور قانون إنشاء هيئة أسواق المال وتنظيم أنشطة الأوراق المالية في فبراير ذلك العام.

وبهذه المناسبة، أجرت الهيئة عملية تقييم ذاتي لما تحقق من رسالتها الاستراتيجية الهادفة إلى «بناء هيئة تنظيمية إشرافية رقابية رائدة ومتطورة تسعى إلى الارتقاء بأسواق المال في الكويت وخلق بيئة استثمارية جاذبة وتنافسية تواكب أفضل الممارسات الدولية»، تبين بموجبها تحقيق نجاحاتٍ لافتة في مساراتها المتعددة.

Ad

ومن أبرز تلك النجاحات على صعيد كلٍ منها، الارتقاء بكفاءة بيئة الاستثمار المحلية التي شهدت قفزات نوعية هائلة في مجال مؤشرات تحسين بيئة الأعمال وتعزيز التنافسية (تحسن ترتيب دولة الكويت من المرتبة 97 من أصل 190 دولة في عام 2017 إلى المرتبة 51 أواخر عام 2019 وفقاً لتقرير مجموعة البنك الدولي)، إضافة إلى ترقياتٍ متتالية للبورصة المحلية عكست نجاعة الإجراءات المتخذة، وأعطت مؤشراتٍ جد إيجابية عن بيئة الاستثمار المحلية.

وعلى صعيد ثاني تلك المسارات ذي الصلة بخدمة التوجهات التنموية الحكومية قطعت الهيئة أشواطاً مهمة على صعيد تنفيذ مشاريع عدة تندرج في هذا الإطار، كمشروع الإفصاح الإلكتروني باستخدام لغة XBRL، ومشروع الاختبارات التأهيلية للوظائف واجبة التسجيل، ومشروع معايير كفاية رأس المال للأشخاص المرخص لهم، والمشروع الوطني لتعزيز الثقافة المالية، كما أن ثلاثاً من مشاريع الهيئة الحالية مدرجة في الخطة الإنمائية الثالثة للدولة، هي مشاريع (تطوير منظومة سوق المال، وضع الإطار التنظيمي للتقنيات المالية المرتبطة بأنشطة الأوراق المالية Fin Tech، تأسيس كيان معرفي متخصص في أسواق المال)، وصولاً لآخر تلك المسارات المتعلق بالتوافق مع المعايير الدولية.

ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى تحقيق الهيئة امتثالاً تاماً مع (33 مبدأ من مبادئ المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية «الأيسكو» الـ 37) أي ما نسبته 89 في المئة، وهو مؤشر ذو دلالاتٍ مهمة في اتجاهات عدة، مع الإشارة إلى أن الهيئة تستهدف نسبة امتثال كاملة 100 في المئة، وسبق ذلك انضمام الهيئة إلى عضوية هذه المنظمة الدولية عام 2017، كما حصلت على عضوية اللجنة الإقليمية لمنطقة أفريقيا والشرق الأوسط ولجنة النمو والأسواق الناشئة، وكان لها حضور فاعل في عضوية العديد من اللجان المنبثقة عن مجلس إدارة تلك المنظمة الدولية، كما تم العمل بنجاح على استكمال تصنيف الكويت كسوق ناشئ لدى المؤشرات العالمية الثلاثة المتعارف عليها

(FTSE Russell ، S&P DJI، MSCI).

هذه الإنجازات وسواها، وإن كانت مؤشراً لنجاح الهيئة بامتياز في أداء رسالتها، والتأسيس للبيئة الاستثمارية الصحيحة ووضعها على مسار «العالمية» فإن ما يضفي عليها أهمية مضاعفة يكمن في اعتماد الهيئة بصورة تامة على كوادر وطنية لتحقيق نجاحاتها وتنفيذ مشاريعها، إذ تبنت منذ مباشرتها أعمالها فلسفة خاصة لتنفيذ مهامها وتحقيق رؤاها قوامها ركيزتان أساسيتان: الاعتماد بصورة شبه تامة على الكفاءات الوطنية، وجعل الاستعانة بالعمالة غير الوطنية في أضيق الحدود، والتركيز على مقومات الكفاءة والمهنية والخبرة لدى اختيار الكوادر الوظيفية في مختلف التخصصات.

وبصورةٍ أكثر تحديد، يمكن الإشارة إلى اعتماد الهيئة بصورةٍ تامة على الكوادر الوطنية في الوظائف القيادية والاستشارية والإشرافية والتخصصية، إذ تبلغ نسبة الاعتماد على الكفاءات الوطنية 100 في المئة في تلك الوظائف بمختلف تخصصاتها، بدءاً برؤساء القطاعات مروراً بالاستشاريين ومديري الإدارات والدوائر، وصولاً إلى الاختصاصيين والاختصاصيين الأوائل، والأمر ذاته ينطبق على رؤساء وأعضاء فرق العمل واللجان والمشاريع، كما تحتل العمالة الوطنية نسبة مماثلة تقريباً لدى تخصصات أدنى كالباحثين الذين يشغلون مراتب الإعداد والتأهيل الأولى للارتقاء لاحقاً للوظائف الإشرافية والقيادية آنفة الذكر.

إضافة إلى أن «توطين» الوظائف القيادية والإشرافية تجسده الهيئة واقعاً في كافة قطاعاتها الفنية منها والخدمية على حدٍ سواء (قطاع الخدمات المساندة، قطاع الشؤون القانونية، قطاع الإشراف، قطاع الأسواق)، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن قطاع الشؤون القانونية الذي يمثل الإطار التشريعي لعمل الهيئة، الذي تنبثق استناداً إليه أطر عملها الأخرى (التنظيمية، الرقابية والإشرافية، التوعوية، بيئة العمل الداخلية) يمثل نموذجاً لتوطين مختلف الوظائف بدءاً برئيس القطاع وصولاً للدرجة الوظيفية الثامنة، فالوظيفة القيادية ممثلة برئيس القطاع ومديري الإدارات هي من الكفاءات الوطنية، كذلك الحال بالنسبة للوظائف الإشرافية ممثلة بمديري الدوائر، وصولاً للوظائف الفنية المعنية بالدراسات القانونية كذلك التخصصية في شتى مجالات العمل ذات الصلة بالقطاع (القضايا والتحكيم، التحقيق، الدراسات القانونية، العقود...) كذلك الحال بالنسبة للمجالس واللجان المنبثقة عن مجلس مفوضي الهيئة ذات التخصصات المتصلة بالشؤون القانونية كمجلس التأديب والمجلس الاستشاري للرقابة الشرعية ولجنة الشكاوى والتظلمات، إذ نجد نسبة التوطين تامة أيضاً في مختلف وظائف وتخصصات تلك المجالس واللجان.

وأخيراً، فإن هيئة أسواق المال إذ تنظر بعين الرضا لما تحقق في مسار رسالتها الإستراتيجية، فإنها تؤكد أن مبعث رضاها أمران: أولهما نجاحها في أداء بعض الأدوار المنوطة بها في إطار توجهاتٍ تنموية منبثقة من رؤية أميرية سامية، وثانيهما اعتمادها بصورة تامة على كفاءاتٍ وطنية لتحقيق مستهدفاتها، مع الإشارة إلى أن طموحاتها لا تقف عند حدود ما تحقق وأنه ثمة آفاقاً إستراتيجية جديدة تسعى لتحقيقها في المرحلة المقبلة تأمل أن تشكل أحد أركان التحول إلى المركز المالي المنشود.