مكانك راوح! هذا هو لسان حال السياحة في الكويت، فبدلا من استغلال الدولة أزمة «كورونا» في تطوير السياحة الداخلية والترويج لها في ظل غلق الحدود ومنع السفر، إلا أن ملف السياحة ظل خارج نطاق الخدمة، حيث أصيب المواطنون والمقيمون بخيبة أمل كبيرة في البحث عن بدائل بالسياحة الداخلية.

فالكويت التي ينفق مواطنوها، وفق دراسات رسمية صادرة عن منظمة الصحة العالمية، 11 بالمئة من دخلهم على السياحة الخارجية بما يقدّر بـ 4 مليارات دينار سنوياً، تفتقر بشدة إلى تطوير قطاعها السياحي الذي يكاد يكون معدوماً في ظل التطور الحاصل بالقطاعات المماثلة بالدول المجاورة، سواء في الخليج العربي أو في دول منطقة الشرق الأوسط، وخير مثال على ذلك دولة الإمارات العربية، وإمارة دبي تحديدا، التي حلّت في قائمة أكبر الوجهات السياحية بالعالم، والسؤال ما الذي فعلته دبيّ لترتقي كل هذه المراتب العالمية، حتى باتت وجهة مفضّلة لمعظم سياح العالم، رغم تشابه الظروف الجغرافية والاجتماعية للبلدين؟

Ad

تمثّل صرامة الإجراءات الحكومية في الكويت، والمتعلقة بدخول البلاد والإقامة فيها، عائقا كبيرا أمام السياح، فالكويت لا تسمح بدخولها إلا لحاملي إقامة صالحة، أو تأشيرة زيارة أغلبها يصدر لأقارب العاملين في البلاد، الذين يأتي معظمهم إما لرؤية ذويهم، أو الاستفادة من مدة صلاحية التأشيرة في العمل، وتوفير بعض متطلباتهم المادية لإعانتهم على قسوة ظروف الحياة، وهو ما يعني عدم استفادة الكويت منهم في تنمية قطاعها السياحي.

وفي هذا الصدد، يرى خبراء أن ما اتخذته الإمارات من قرارات يأتي في مقدمتها إعفاء مرافقي الأجانب القادمين ممن تقل أعمارهم عن 18 سنة من رسوم متطلبات تأشيرة الدخول في الصيف، وهو الأمر الذي ساهم في دعم قطاعها السياحي، وقد يكون من الجيد لو اتخذت الكويت قرارا مماثلاً، بأن تسمح للأجانب وذويهم بدخولها في فترة اعتدال الطقس السنوية، مع تخفيف متطلبات وإجراءات الدخول، وتوفير امتيازات سياحية لهم في الفنادق والمنتجعات والشواطئ وأماكن التسوق.

هيئة السياحة

ويأتي غياب هيئة خاصة بالسياحة أو وزارة تُعنى بتنمية وتطوير ذلك القطاع العائق الأكبر أمام قطاع السياحة في الكويت، تماشياً مع المعمول به في دول الخليج والعالم، والتي تهدف إلى رعاية الشؤون السياحية ورسم السياسة العامة للسياحة في البلاد، وتنظيمها وترويجها داخلياً وخارجياً. فوجود مثل هذه الوزارة أو الهيئة سيساهم في تنشيط السياحة بالكويت، وإعداد السياسات العامة والخطط والبرامج الكفيلة بتحسين أداء المرافق السياحية، ووضع معايير ونظام معلومات للمواقع والخدمات السياحية، وتمثيل الكويت لدى الجهات الدولية المختصة، مما يساعد البلاد على تنشيط صناعتها الفندقية والسياحية، فضلا عن تدريب وتوظيف العمالة الوطنية في هذا القطاع.

دعم وتراخيص

ومن شأن إنشاء هيئة للسياحة في الكويت العمل على تقديم دعم للمشروعات السياحية، وإصدار تراخيص النشاط السياحي وفقاً للقوانين المعمول بها، مع الحرص على دعم إقامة المهرجانات والمؤتمرات والمنتديات السياحية.

وتواجه الكويت العديد من المعوقات لتحويلها الى محطة سياحية، أبرزها إغلاق المنشآت الترفيهية في البلاد، وآخرها المدينة الترفيهية التي أغلقت في وجه المرتادين تحت مبررات الترميم، في نموذج مصغر لعلل الاقتصاد والإدارة الكويتية، فضلاً عن غياب المنتزهات والتباطؤ الحكومي حيال إنشائها أو تطوير وتحديث الموجود منها.

وفي سياحة التسوق مثال آخر لغياب واضح، رغم ما تمتلكه الكويت من مراكز للتسوق، وأشهرها سوق المباركية وسوق شرق في محافظة العاصمة، ومجمع الأفنيوز في محافظة الفروانية، فضلاً عن «مول 360» في محافظة حولي، وأسواق القرين في محافظة مبارك الكبير، وهي مراكز وإن كانت محدودة في العدد، إلا أنه يمكن استغلالها وتسويقها خارجيا ودعمها بالماركات العالمية، لتصبح مركز جذب للسائح العربي والخليجي والأجنبي، والعمل على إقامة المعارض الدولية التي تستضيف خلالها الشركات الدولية.

رؤية 2035

ووفق رؤية الكويت 2035، فإن تطوير قطاع السياحة والترفيه والتسوق سيكون له دور كبير في دعم الاقتصاد والاستثمار، وخلق فرص عمل جاذبة ومستثمرة للشباب الكويتيين في القطاع الخاص، وفي سبيل ذلك تعتمد الخطط الاستراتيجية لرؤية الكويت على تطوير الجزر والمنطقة الشمالية، وخاصة بوبيان ووربة وفيلكا ومسكان وعوهه، والتي حرصت «رؤية الكويت» على تطويرها وأهمية تحويلها إلى منطقة تجارة حرة متكاملة تتضمّن مرافق سياحية وترفيهية ومدينة إعلامية ورياضية عالمية وممرات مائية، ولا ينقص خطوات تنفيذ هذا المشروع سوى قرار حكومي جادّ لجعله مصدر دخل آخر للبلاد.

وفي حقيقة الأمر، يتطلب تطوير القطاع السياحي في الكويت عدة أمور، يأتي في مقدمتها إنشاء هيئة مستقلة أو وزارة مختصة بالسياحة وإيجاد تشريعات منظمة للسياحة، وتهيئة المجتمع لقبول السياحة ودعمها، مع تشجيع المستثمرين الكويتيين على الاستثمار الداخلي في هذا القطاع.

مدن ترفيهية مكيفة

وقد تكون درجات الحرارة المرتفعة في الكويت معوقا أساسيا، وخاصة في فصل الصيف، الذي من الممكن أن تتم معالجته عبر زيادة الأماكن السياحية المغلقة المكيّفة، وزيادة مساحة التشجير في أرجاء البلاد، وإنشاء مدن ترفيهية مكيفة.

وفي نهاية الأمر، لن تصبح الخطط واقعا إلا في ظل حكومة مؤمنة بأهمية القطاع السياحي ليس فقط كمصدر دخل بديل للبلاد، وإنما لاستثمار مليارات الدنانير التي تصرف من الشعب الكويتي الذي يمثّل رقماً صعباً في السياحة العالمية من جهة، ولتحويل الكويت ليس لمركز مالي وتجاري للعالم، بل مركزا سياحيا أيضا.

الكويت الأخيرة خليجياً في عدد الفنادق
تعاني الكويت قلّة عدد الفنادق والشقق الفندقية والمنتجعات السياحية على مستوى دول الخليج، إذ تحتل المركز الأخير خليجيا في عدد الفنادق العاملة بوجود نحو 56 فندقاً في محافظاتها الستّ، بواقع 25 فندقاً في العاصمة، و21 في حولي و13 في الأحمدي، وثلاثة فنادق في الفروانية، وفندق واحد في كلّ من محافظتي مبارك الكبير والجهراء، إلى جانب 66 شقة فندقية موزعة بواقع 18 في العاصمة و37 في حولي و9 في الأحمدي، وثلاث شقق فندقية في الفروانية.

أما المنتجعات فلا يوجد منها إلا 6 منتجعات، استأثرت بها محافظة الأحمدي. وتتركز معظم الأنشطة السياحية التي توفرها تلك الفنادق في صيد اللؤلؤ والرياضات المائية وركوب اليخوت ورحلات الغوص وصيد الأسماك.

ولمعالجة ندرة الفنادق والمنتجعات، على الحكومة ممثلة في البلدية طرح منتجعات وأراض قابلة للاستغلال السياحي والترفيه في مجال الأطفال، على أن يُعهد بتنظيم ذلك إلى هيئة مستقلة لإدارة شؤون السياحة في البلاد.

... والأخيرة في وجهات السياحة العلاجية

أظهر مؤشر جمعية السياحة العلاجية، في تقرير لها من المنامة أمس، أن دول مجلس التعاون الخليجي تصدرت قائمة أفضل الوجهات للسياحة العلاجية عالمياً، حيث احتلت الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى على مستوى الخليج، وجاءت عمان في المرتبة الثانية، ومملكة البحرين ثالثا، بينما جاءت المملكة العربية السعودية في المرتبة الـرابعة، أما الكويت فجاءت في المرتبة الأخيرة.

ويعتمد مؤشر السياحة العلاجية على مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك بيئة الوجهة، وتجربة المريض، والمستويات الحالية للسياحة العلاجية، وجاذبية السياحة التقليدية.

وتشير دراسات حديثة إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا شهدت خلال السنوات الماضية، تزايداً في أعداد السياح العلاجية، والمرضى الباحثين عن علاج لمختلف أنواع الإصابات الجسدية أو الجراحية التجميلية.

وشهد نمو قطاع خدمات الرعاية الصحية في المنطقة معدلا سنويا مركبا بلغ 18.8 في المئة منذ عام 2004، ويضمن ازدهار قطاع السياحة الطبية في الدول العربية مستقبلاً مستداماً لسوق الأجهزة الطبية التجميلية، بفضل الأعداد المتزايدة من الزوار الباحثين عن العلاجات التجميلية.

وبحسب الدراسات، بلغت قيمة سوق السياحة العلاجية نحو 15.5 مليار دولار في 2017، ومن المتوقع أن تسجل إيرادات بقيمة 28 مليار دولار بحلول نهاية 2024، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 8.8 في المئة بين عامي 2018 و2024.

وتشير التوقعات إلى أن حجم إنفاق السياحة العلاجية الصادرة من دول مجلس التعاون الخليجي إلى مختلف دول العالم بلغ 20 مليار دولار، ومع هذه الأرقام الكبيرة بدأت الدول الخليجية العمل على إنشاء أماكن للاستشفاء محلياً، ليس فقط للحد من علاج مواطنيها بالخارج، إنما لجلب غير الخليجيين لتلقّي العلاج في هذه الأماكن كنوع من الاستثمار.