قدّم الكاتب مصطفى محمود قراءة جميلة لرواية تجريد للكاتبة هديل الحساوي، معتبراً أن اللغة الشعرية المستخدمة في العمل الأدبي هي مداد الحكاية وسياق الرواية، مستعرضاً جماليات هذا العمل الأدبي خلال السطور التالية:أول ما يلفت نظر القارئ في رواية تجريد للكاتبة هديل الحساوي، هو كثرة الفصول والعناوين والعناوين الجانبية والأقسام، فيسأل: لم كثرة العناوين في الرواية؟ هذا إن سميناها رواية، ربما كانت رواية عن حدث ما أو وجع ما، وربما انقلب هذا الألم إلى وقود للكتابة.. لماذا كثرة الفصول القصيرة؟ هل هي رواية لقصص قصيرة هل هي مجموعة قصصية بشكل روائي؟ وذلك أنني أستطيع ان اقرأ كل فصل على حدة! كقصة لوحدها! إنها مجموعة قصصية عن الوجع نفسه، عن المطهر، عن السمو المخدوش!
اللغة الشعرية
ربما، وفقط بسبب اللغة الشعرية التي هي مداد الحكاية وسياق الرواية يمكن اعتبارها مجموعة من القصائد الشعرية عن ذاك الوجع نفسه، وبدلاً من أن تكون رواية او مجموعة قصصية تظهر لنا على شكل ديوان شعر. وفي رواية اخرى لهديل الحساوي بعنوان المرآة مسيرة الشمس وهي بمثابة بداية لراوية كويتية ولا أروع... انها تدشن لظهور كاتبة وأديبة كويتية مرموقة تكون في مصاف المتميزات في السرد. رحلة اكتشاف الذات لذاتها، وسفر الكينونة نحو أناها شقت لها من الفلسفة اليونانية طريقا للكتابة، فقامت بتحضير أرواح الفلاسفة والآلهة اليونانية دون شعوذة، وتصرفها أيضا بنفس الطريقة السحرية؛ حيث تلاعبت بالثنائيات حتى بلغت التجريد والتصوف، إنه طقس تأهيلي بالقلم لشامان عظيم الشأن والسطوة، وكذلك سلاسة في السرد.. حيث تأتيها الكلمات والعبارات دون تعب، خرجت من قريتها غاضبة وركبت المركب تاركة إرث جدها وأبيها الملعونين من قبل أهل القرية، وسافرت من مكان الى آخر تبحث عن ماذا؟! أبوها؟ نفسها؟ قدرها؟ يقول نجيب محفوظ رغم أن الرمز يشير الى المرموز اليه لكنه يظل وفي نفس الوقت رمزاً بحد ذاته وله خصوصيته، فهو يستحضر المرموز اليه وهو في معزل عنه في برجه الخاص به.الألغاز والرموز
القصة رمزية الشكل مليئة بالألغاز والرموز، ثمة تكدس غير عادي للرموز في الرواية، الكثرة بالوحدة والوحدة بالكثرة، وان كان سياق السفر والتنقل من مكان الى آخر غالبا عليها... السفينة، الغابة، الكهف، المدرسة، الصحراء، الباب، الجسر، والمرآة.وفيما يتعلق بشخصيات العمل، فجلها رمزية من فلاسفة الى آلهة او العكس، وحتى ابوها وجدها؛ كلها رموز تحتاج الى تفكيك، وأيضا وخصوصا باخوس وطقسه التطهيري.الصوفية والعرفان
تخبئ الرواية الكثير من الأسرار، وهي تحاول أن تخفي اكثر مما ظهر، لا تخلو الرواية من المرشد والمعلم، بل هو موجود في جميع مراحل السير بداية من الجد وصولا الى سقراط، مما يظهرها كرواية صوفية عرفانية بامتياز. وفي النهاية، تصل الفتاة الى نفس النقطة التي انطلقت منها، تصل الى قريتها وبيتها القديم، دائرة مكتملة. الرواية بالمجمل تحمل معها دعوة للتفكير والتأمل، ولا تشجع الكسل، كما أن تركيزها على ٤ أطفال مراحل العقل الأربع... هكذا يرى نيتشه، أيضاً فيها من رحلة جلجاميش الى العالم السفلي... الكهف، ثم العودة الى ذات المكان، انكيدو هو الأب... القارب... الحية... الصراع في العالم السفلي، ثم اخيرا العودة... الإنسان الكامل!ضروريات الكتابة
النفحة الشعرية هي الغالبة على الرواية، وهي من ضروريات الكتابة الروائية، لكن الروائي يحتاج خصوصا إلى القدرة على الخروج عن ذاته، حتى يستطيع تجسيد شخصياته.