نص الدستور بإصرار في المادة 98 على تقديم الحكومة برنامج العمل فور تشكيلها: «تتقدم كل وزارة فور تشكيلها ببرنامجها إلى مجلس الأمة، وللمجلس أن يبدي ما يراه من ملاحظات بصدد هذا البرنامج».

هذا الاستحقاق الدستوري تم إهماله من الحكومات المتعاقبة، وتجاهلته مجالس الأمة والمعارضة منذ فجر الحياة البرلمانية على الرغم من أن برنامج العمل هذا فيه كل ضمانات الرُّشد والثراء في الأداء الحكومي والبرلماني بل النشاط السياسي الشعبي.

Ad

وفي هذه الأيام نشهد هجوما حكوميا على الفساد، ونسمع بأن القادم سيكون أشد وأعتى على الفساد مما يغرس الحد الأدنى من التفاؤل والطمأنينة في النفوس، ولكن يجب عدم حصر الجهد في دائرة محاربة الفساد، بل لابد من سد وردم كل المنافذ في وجه قوى الهدم الداخلي أو الحكومة العميقة وتقطيع أذرعها وتحرير مؤسسات الدولة ومقدرات المجتمع من سطوتها، ولا يتم هذا إلا بزحف جهد الإصلاح الحكومي والشعبي إلى إحياء ما تم تجميده من مشاريع إصلاح وتطوير، وصبها في مشروع برنامج عمل الحكومة المقترح.

وهذا الجهد يجعل الحكومة تستحق أن يضع الشعب ثقته المطلقة في يدها أياً كانت قراراتها وأيا كان الثمن الذي سيدفعه الشعب كفرض الضرائب أو خصخصة بعض مؤسسات ومرافق القطاع العام أو تعديل التركيبة السكانية، على ألّا يكون الجهد الحكومي عبر وعود أو خطط هلامية، بل عن طريق الفريضة الدستورية المغيبة، أعني برنامج العمل، فعلى الحكومة القادمة أن تضع برنامج عملها فور تشكيلها وفق ما نص عليه الدستور. وحتى يمكن ولادة برنامج العمل الحكومي وتقديمه فور تشكيلها وفق منطوق ومفهوم المادة الدستورية يجب على منظمات المجتمع المدني والكُتل السياسية والناشطين من أصحاب الرأي أن يبلوروا الأهداف والمشاريع والحلول بكل جدية واحترافية عالية بعيدا عن العموميات الجوفاء والمطالب الشعبوية الفارغة البعيدة عن الاستحقاقات التي تفرضها المرحلة الراهنة ووفق الإمكانات المتاحة في صيغة أهداف منضبطة بمعايير كمية وزمنية.

وليأتِ مشروع الوزير السابق بدر الحميدي للإسكان والطرق، وليأتِ مشروع الشيخ ناصر صباح الأحمد مدينة الحرير وتطوير الجزر، ولتأتِ مرئيات الدكتور ناصر المصري التقدمية. (راجع مقالنا في الجريدة بتاريخ 2020/6/19)، ولا بد أن تتكامل مع ذلك وتمهد له كل تدابير ومقترحات إصلاح البيئة السياسية وحرية التعبير والنقد البنّاء، ولتفتح له المنافذ في أجهزة الإعلام الرسمية بحرية كما حدث في عهد وزير الإعلام الأسبق الدكتور أنس الرشيد لتكون هي مصدر الحقيقة والوعي لا الذباب الإلكتروني ومصادر الإشاعة والبلبلة.

وكبادرة أولى يجب تعديل نظام التصويت الانتخابي ليشارك الجميع في الانتخابات القادمة وإيقاف مهزلة الواسطات للعلاج في الخارج والتوظيف والترقيات وكل الخدمات ومحاربة الرشوة الانتخابية بكل قوة لتتحول الساحة الانتخابية إلى ما يشبه ورشة عمل لا يجرؤ على دخولها إلا من لديه القدرة على تحمل أعباء هذه المرحلة ولديه كفاءة الانخراط الإيجابي والإبداعي في ورشة العمل.