على الرغم من كثرة الكلام عن جريمة غسل الأموال في الآونة الأخيرة، فإن هناك الكثيرين مازالوا في ضياع في ماهية وكيفية هذه الجريمة، ربما لأنها جريمة معقدة، أو لأنها جريمة لاحقة لابد أن تتبع جريمة أكبر تأتي قبلها في التسلسل الحدثي.

السؤال الشائع الأول هو: لماذا يعتبر غسل الأموال أصلا جريمة، فالغاسل لم يسرق أو يرتشي أو يختلس هذه الأموال؟ الجواب يكمن في أن السارق لن يستطيع الاستفادة والانتفاع من أموال السرقة بدون إضفاء صفة شرعية على مصدرها، فهناك سقف أعلى للإيداعات المالية، مثلا 10 آلاف دينار، إن دخلت فرضا حساب شخص راتبه لا يتعدى 1000 دينار، بلا مصدر معروف كالشركة التي يعمل بها كمبلغ نهاية خدمة أو بونص سنوي مثلا، فسيطلق هذا الإيداع تنبيها في بنكه بأن هناك مبلغا ماليا كبيرا مجهول المصدر، هنا يجب على البنك أن يحيل معلومات هذا الشخص وتفاصيل الإيداع المشكوك فيه إلى جهة معنية بالرقابة المالية والملاحقة القانونية.

Ad

غسل الأموال أيضا لا يأتي فقط عن طريق تحصيل مالي مباشر مثل السرقة أو الرشوة أو الاختلاس، فأكبر غاسلي الأموال يتحصلون على أموالهم من جرّاء أعمال مجرّمة دوليا وغير مشروعة كالمتاجرة بالمخدرات، والاتجّار بالبشر، وبيع الأعضاء، وسرقات التحف والآثار والفنون وغيرها.

وملاحقة مصادر الأموال تؤدي حتما إلى القبض على المجرمين، حيث تدر هذه الأعمال أموالاً طائلة على العاملين بها، لا يمكن لهم الاستفادة منها إلا من خلال إيداعها في البنوك لإضفاء صفة شرعية عليها!

قد يتساءل البعض: لماذا لا يُنتفع من هذه الأموال وتُصرف «كاش» لشراء كل ما يحلو لهم نقداً؟ فرغم الاعتقاد السائد بصعوبة كبيرة في شراء كل شيء نقدا، فإنه لا يمكننا اليوم شراء منزل نقدا، أو سيارة، أو ساعة ثمينة، حتى حقيبة لوي فويتون! فمن الذي سيُخرج 1000 دينار من جيبه ليدفع لمشترياته كل يوم؟ فهذا التصرف سيجلب لك بلاغا فوريا للنيابة العامة، لأن الطريقة المدنية للتعامل بالأموال هي عن طريق تحويلات البنوك، وفي الواقع هناك الكثير من الدول اليوم التي باتت تحدد سقفا أعلى للتعامل النقدي في مختلف التعاملات المالية اليومية، وهذا كله لتسهيل عملية متابعة تنقل الأموال من مصادرها المختلفة مرورا بكل عمليات البيع والشراء.

وهنا نصل للجريمة، إذا كانت الأموال غير شرعية فسيحتاج المجرم الى قنوات يستطيع من خلالها تنظيف هذه الأموال عن طريق جعلها أموالا نظيفة ذات مصدر معروف، فينشئ المجرم شركة وهمية لتصنيع وبيع مساحيق التجميل لنطلق عليها شركة Absolute Beauty مثلا ثم يتوجه لفاشنيستا يعلم الجميع أن لها تعاقدات مع شركات عالمية للترويج عن منتجاتهم، بعد التنسيق والاتفاق معها، يودع في حسابها مبلغ 500 ألف دينار كقيمة إعلان لهذه الشركة، تعيد الفاشينستا للمجرم 400 ألف دينار نظيف كقيمة مبيعات ساهمت في الترويج لها، وتأخذ المبلغ الفارق كعمولة، وتدخل المبالغ حساب شركة Absolute Beauty كقيمة مبيعات آتية من حساب شرعي ومصدر معروف.

مثال آخر، يشتري المجرم الغسّال سلسلة مطاعم «ستيكات» ناجحة، ثمن الطبق الواحد 50 ديناراً في الفواتير المسجلة، ولكن في الحقيقة لا يدفع الزبون إلا 10 دنانير للطبق في حين يضاف 40 ديناراً في السجلات اليومية من أمواله القذرة لكل طبق يُباع أو حتى كل صنف موجود على قائمة الطعام. تزوّر فواتير المبيعات كلها لتكون المبالغ المحصلة من الأطباق المبيعة أضعاف ما يتم بيعه فعلا، وهنا يكون المطعم هو قناة الغسل لأن الأرباح ما هي إلا أموال قذرة أُعيد إيداعها على هيئة أرباح مطعم.

مثال أخير، لدى المجرم مليون دينار غير شرعي، يشتري نقدا 10 ساعات ثمينة بتواطؤ مع المحل الذي باعه الساعات، ثم بمزاد علني وأمام الجميع يبيع الساعة الواحدة بـ100 ألف تدخل في حسابه محولة من حسابات 10 أشخاص اشتروا الساعات، فأصبح المليون القذر نظيفا ناصع البياض.