في مقال الأسبوع الماضي «الكاتب العربي- 1»، قدمت حسبة مالية بسيطة وواضحة ومن واقع خبرتي ككاتب، وواقع التعاقدات العربية التي أعرفها بين الكاتب والناشر العربي. وخلصت فيها إلى أن دخل الكاتب العربي الشهري من الكتابة يعادل 50 دولارا أميركيا، وهذا يعني أقل من دولارين في اليوم. ولقد حاولت في المقال تسليط الضوء على الوضع المالي المزري للكاتب العربي، وأنه يستحيل عليه العيش من مردود كتاباته، أياً كانت موهبته، وأياً كان حجم عطائه الإبداعي، وأياً كان حضوره الثقافي. لكني توقفت كثيراً أمام التعليقات التي وصلتني، فصديقي الناقد السعودي محمد العباس كتب معلّقاً: «الدوافع المادية لا تفسر أي ظاهرة من ظواهر البطولة، فهناك كُتّاب قد يدفعون حياتهم ثمناً لكتابتهم... هذا لغز من ألغاز البطولة». وهنا أريد أن أقول إنني أدرك تماماً أن «الدوافع المادية لا تفسر أي ظاهرة من ظواهر البطولة»، لكن في زمن يشكّل الاستهلاك أحد أهم وجوهه، وسط عيش بعض المتجتمعات العربية تحت خط الفقر، ألم يحن الوقت للوقوف أمام هذه الظاهرة، ظاهرة بطولة الكاتب العربي، واتخاذ موقف إنساني منصف حيال تضحيته، خصوصاً وضعه المالي المزري؟ ألم يحن الوقت بعد، لإنصاف من يستحق الإنصاف، وتقدير عمله وجهده بما يستحقان؟ وأنه إذا كان هناك «كُتّاب قد يدفعون حياتهم ثمناً لكتابتهم»، فهل نبقى نستمرئ بطولات أناس يضحون بحياتهم، ليقدموا كلمة صادقة وجريئة لتوصيف وإدانة الواقع؟ وإلى متى يتواطؤ الجميع: سلطة المجتمع، وسلطة المؤسسة الثقافية، وسلطة الناشر، وسلطة جمهور القراءة، وهم يبصرون تضحية وموت الكاتب العربي؟ موته المعيشي في العوز والفاقة والمرض، وموته المؤلم أكثر في سجون الجلاد!

د. سعيد المصري، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، كتب: «قضية مهمة، وطرح شجاع للتعبير عن واقع بائس للمبدعين العرب». وهو بذا يقرّ بأهمية القضية، وببؤس واقع الكاتب العربي، وبما يعني وقوفه إلى جانب الفكرة بضرورة تحريك المياه الساكنة في طبيعة العلاقة بين الكاتب العربي والناشر، وكذلك ضرورة التفات المؤسسة الثقافية العربية إلى جانب أبنائها المبدعين. لكن الكاتبة أمل الحارثي كتبت: «أنا أكتب لأتنفس. كما أن الكتابة بالنسبة إلي وسيلة لتصل أفكاري للناس، يُدفع لي مقابل المقـــالات، ولكــن لا مانــــع لـــدي من الكتابة بدون مقابل، لا أستطيع التوقف عن الكتابة، وأتمنى ألا أُجبر على ذلك في يوم من الأيام». وهي إذ تؤكد ما ذهب إليه الناقد العباس، من ظاهرة البطولة، فإنها تكشف جانباً مهماً من جوانب سحر الكتابة في أنها صلة البشر الأجمل بمن حولهم، وأنها عزاء يعين الإنسان على تحمل قسوة الواقع الذي يعيش!

Ad

ردود وتعليقات كثيرة وصلتني، من مختلف الأقطار العربية، وكلها تؤكد ظاهرة بؤس علاقة الكاتب العربي بالناشر، وهذا يأخذني لتوضيح أمرين: الأول، ضرورة أن يعتق الكاتب العربي نفسه من نمط كتابي ظل مسيطراً منذ الستينيات، ومفاده أن الكتابة فعل مقدس، وأن الكاتب منذور لهذا الفعل، حتى لو انعدم المردود! الأمر الثاني أن علماً يجتاح العالم براهنه المتغير، وأعني بذلك «ريادة الأعمال»، وأن يكون للكاتب نموذج عمل، بإشراف شركة أو رائد عمل، يناقش معه كل أوجه عمله، بدءًا بالجمهور المستهدف، مروراً بمنافذ البيع، وانتهاء عند قضية أن الكاتب «اسم/ ماركة»، وأنه مطالب بوعي كيفية تسويق نفسه كصاحب فكر ومبدع، وأنه يقدم جهداً وكل الأديان والشرائع تنص على ضرورة أن يأخذ مقابلاً له.

من التعليقات التي لفتتني ما كتبه الصديق الروائي خالد خليفة، في إشارته إلى أن أجر الكاتب اليومي دون الدولارين، حيث كتب معلقاً: «والله ياريت حتى وجبة أكل يعني في شغل». فإلى متى يبقى الكاتب العربي يكتب دون أن يحصل على وجبة أكل؟!