كشفت بيانات الحساب الختامي للدولة للسنة المالية المنتهية في 31 مارس 2020 عن فشل صريح في سياسات الإدارة الحكومية للاقتصاد رغم كل تعهدات الدولة وخططها الرسمية في الإصلاح الاقتصادي وتعديل أوضاع الميزانية العامة.

فالحساب الختامي المنتهي في 31 مارس الماضي، والذي لم يدرك من تداعيات فيروس كورونا سوى أسابيع قليلة، أظهر تراجعات لافتة في عدد من المحددات المالية والاقتصادية بما يشير، ليس فقط إلى عدم وجود أي جدية حكومية في تجنيب الكويت تحديات المستقبل، بل أيضاً إلى الدفع نحو توريط البلاد في مصيدة الدين العام السيادي مادام الاقتصاد عاجزاً عن تمويل الميزانية بموارد غير ناضبة، بالتوازي مع النمو المتواتر في المصروفات الجارية، وحتى عدم فاعلية المصروفات الرأسمالية في خلق فرص اقتصادية وموارد مالية على المديين المتوسط والطويل.

Ad

انعدام الفاعلية

والبيانات تكشف أن الكويت في السنة المالية 2019 -2020 أنفقت فعلياً على بندَي الرواتب والدعوم 16 مليار دينار بنسبة 76 في المئة من إجمالي المصروفات الفعلية البالغة 21.14 ملياراً، بتراجع مصروفات هذين البندين عن السنة المالية المنتهية في 31 مارس 2019 بنحو 1.8 في المئة فقط، مدعومة بتراجع قيمة الدعوم بسبب انخفاض أسعار النفط في العالم، بالتوازي مع انخفاض الإيرادات العامة عن السنة المالية السابقة بواقع 16.2 في المئة، بسبب تراجع إيرادات النفط، فضلاً عن انخفاض الإيرادات غير النفطية، وهو ما يبين جانباً من عدم فاعلية السياسات الحكومية في خلق فرص عمل لشباب الكويت في القطاع الخاص، فضلاً عن عدم اتخاذ إجراءات من شأنها هيكلة الدعوم لتصل إلى مستحقيها من المواطنين، لاسيما الطبقة المتوسطة، وقد تبين من خلال الحساب الختامي أن بند الإيرادات النفطية فشل في تغطية كل كلفة بندي الرواتب والدعوم، فحقق عجزا بواقع 623 مليون دينار.

شح الإيرادات غير النفطية

ولعل مسألة الإيرادات غير النفطية هي بيت القصيد الأهم في الميزانية، إذ إنها من ناحية تشكل تعهداً حكومياً سنوياً بزيادتها والعمل على تنميتها كما أنها تمثل، من ناحية أخرى، معياراً مهماً لكفاءة الاقتصاد غير النفطي، ومع ذلك فهي فضلاً عن أنها شحيحة بالمقارنة مع إجمالي الإيرادات، حيث تشكل بيانات الحساب الختامي ما نسبته 10.7 في المئة فقط من إجمالي الإيرادات الفعلية، فإنها سجلت تراجعاً بواقع 13.1 في المئة عن السنة المنتهية 31 مارس 2019، أما أكبر مصادر تمويل الإيرادات غير النفطية البالغ إجماليها 1.85 مليار دينار فكانت على التوالي من الرسوم الجمركية بـ363 مليون دينار، ثم الكهرباء والماء بـ311 مليوناً، ثم إيرادات وزارة المالية بـ246 مليوناً، مما يكشف جانباً مهماً من شح الإيرادات الضريبية على الأعمال والشركات في الميزانية العامة، فضلاً عن مدى عدم عدالة أسعار إيرادات استغلال أملاك الدولة... وهذان البندان الأخيران لهما قدرة، لو أعيد النظر فيهما، على تمويل الميزانية العامة بمئات الملايين من الدنانير سنوياً، مع لعب الدولة في المقابل دوراً أكبر في صناعة فرص الاستثمار أيضا.

إلى جانب ذلك فإن بند الضرائب والرسوم في الميزانية، والذي كلما ارتفعت نسبته في ميزانية أي دولة، كان مؤشراً على كفاءة أعمالها، يبلغ في الكويت، حسب الحساب الختامي، 530 مليون دينار، أي بنسبة 3 في المئة فقط من إجمالي الإيرادات العامة للدولة، متراجعاً عن العام السابق 7.7 في المئة.

رأسمالية وعجز

وحتى المصروفات الرأسمالية «على المناقصات والمشاريع» التي تعتبرها أدبيات الإدارة العامة من محفزات الانتعاش الاقتصادي شهدت تراجعاً بواقع 13.1 في المئة، لتبلغ مع 31 مارس 2020 ما قيمته 2.63 مليار دينار، وهو في الحقيقة بند يحتاج إلى معالجة اقتصادية أكثر منها محاسبية، لتوجه هذا الإنفاق نحو منافع اقتصادية، كتوفير فرص العمل للعمالة الوطنية إلى جانب خلق إيرادات ضريبية واستثمارية للمالية العامة.

هذه البيانات أنتجت عجزاً فعلياً بقيمة 5.64 مليارات دينار بارتفاع 68.6 في المئة عن السنة المالية السابقة المقارنة بعد استقطاع 10 في المئة من إجمالي الإيرادات لصندوق احتياطي الأجيال القادمة (الصندوق السيادي للدولة).

معنى الأرقام

هذه الأرقام ليست جامدة في محتواها بل يجب تحليلها على مختلف الوجوه، أولها أنها عبرت عن أداء الاقتصاد الكويتي حتى قبل التأثر بتداعيات جائحة كورونا، والثاني أنها تكشف عدم فاعلية الخطط الحكومية تجاه كل ما يسمى بمشاريع الإصلاح الاقتصادي، والثالث أن مالية الكويت وخصوصاً في جانب تضخم المصروفات باتت أكثر حساسية تجاه الانكشاف على أزمات لا قدرة لدينا غالباً على التحكم في معطياتها أو نتائجها، لاسيما إن أصابت مصدر الدخل النفطي، والرابع، وهو الأهم، أنها تبين مخاطر الاستمرار في نفس سياسات الإنفاق والتمويل بالتوازي مع نفاد سيولة الاحتياطي العام وإجراءات مبادلة الأصول من احتياطي الأجيال أو حتى وقف تمويله بالـ 10 في المئة من الإيرادات، مع التوجه لإقرار قانون الدين العام، مما يفتح المجال لانتكاسات خطيرة في الاقتصاد لأن أموال الاقتراض المليارية ستتوجه، لا لصناعة فرص استثمارية أو للمساعدة في عمليات من شأنها تمويل الميزانية من نشاط اقتصادي، بل لتغطية العجوزات المتراكمة في الميزانية العامة، كما حدث خلال السنوات القليلة الماضية، والتي استنزفت نقدية الاحتياطي العام، بينما يتوقع أن يستنزف عجز العام الجاري نحو 75 في المئة من قيمة مبلغ الاقتراض العام إذا تم إقراره كقانون، وهذا يشير إلى ضعف فاعلية الإجراءات المطروحة لتجاوز أزمة تمويل الميزانية العامة.

نفضة

ودون التعمق في مسألة سياسية فإن الكويت اليوم بحاجة إلى «نفضة» إصلاح تشمل الإدارة الحكومية وحتى المؤسسة البرلمانية، فلا قيمة لتعهدات بخطط ترشيد ووقف الهدر وإعادة صياغة وتنظيم الميزانية، فكلها لا توازي إصدار قانون حساس كالدين العام السيادي... والإدارة التي تصدر هذه التعهدات تستمرئ مخالفاتها بينما تنحرف أدوات الجهة التي يفترض أن تراقب هذه الإدارة، وهي مجلس الأمة عن دورها في التشريع والرقابة بما يجعلها عديمة القيمة والفاعلية.