يحدث أن أتابع عن قرب قصتين لمواطنتين كويتيتين شاءت ظروف كورونا المستجد أن تدورا في دوّامة عاصفة الفضائح و"الخمال" التي ملأت النفوس بما لا يُحمد عقباه: الأولى طبيبة درست وعملت في أوروبا وجاءت للكويت مع أطفالها وزوجها الذي ينتمي إلى أحد البلدان الأوروبية، لتسد الدين وتتمم المهمّة الفاضلة في خدمة البلد الذي رباها وعلمها وجعلها دكتورة قد الدنيا!

قبل غلق الحدود وتعليق المطارات بأسبوع سافر زوجها لبلاده لإتمام مهمة قصيرة لكنه لم يعد لبيته وزوجته وأبنائه إلا بعد خمسة شهور قاسية عاشتها الزوجة المواطنة الكويتية المكلومة بأحلك الظروق وأصعب الأوقات.

Ad

كان الطلب بسيطاً جدا: أعيدوا لي زوجي في رحلات الإجلاء مع المواطنين، فهو في النهاية زوج مواطنة كويتية يشاركها المسؤولية، يربي ويحمي أطفالها ويكون لها العون والأمان في ظرف استثنائي قاهر! جاء الرد بلا رد! صادما متبلّدا كالعادة برفض الطلب ملفوفا بغلاف التسويف.

الحكومة في الكويت لا ترد، وزارة الخارجية لا تجيب، وسفارة الكويت في بلده تنتظر من الدولة إرشادات واضحة بهذا الخصوص، فعاشت الدكتورة حالة نفسية متدهورة، امرأة آيلة للانهيار بأي لحظة، مقسومة ما بين الواجب الوطني في وزارة الصحة وبين أطفالها في المنزل، حيث لا يرعاهم أحد سوى المربيات! ماذا إن أصيبت بكورونا واضطرت للبعد عن أطفالها لزمن؟ ماذا إن أصيب زوجها المريض بالقلب هناك وتدهورت حالته الصحية وهي بعيدة عنه؟ لماذا لا ينظر لها وطنها بعين الشمولية والمساواة وجعل استقرارها النفسي وأمانها العائلي أولوية مثلما كان للمواطن الرجل عندما أعادوا له عائلته أبناء وزوجة أو أما في الشهور الأولى من بداية الأزمة؟

أمينة كانت رحلتها مع الهمّ أقصر من ريم، أربعة شهور كانت رحلة فراقها لابنها الطالب في النيذرلاندز، فهو الآخر لم يُكن ليُنظر له على أنه ابن مواطنة كويتية! يُدبغ أبناء المواطنة "بغير كويتي" منذ الولادة فيتم تجاهل الأم بصورة سافرة، فلا يشفع انتماؤها إلى هذا الوطن لأبنائها بمعاملة استثائية تلقائية حتى في مصيبة وباء! كافحت أمينة شهورا، ما بين الخارجية والداخلية والسفارة الكويتية في هولندا، صرخت أعيدوا لي ابني المُصاب بمرض مزمن يهدد جهاز مناعته، اجعلوه أولوية مع المرضى العائدين للوطن، أرسلت نداءات استغاثة واستجداء لكل من له أذن يسمع، وعاد الابن في شهر مايو، بعد أن تقطعت حبالها الصوتية وغرقت في نوبة من العزلة والاكتئاب!

هذا بالإضافة طبعا للمواطنة الكويتية التي ظهرت باكية على وسائل التواصل الاجتماعي في بدايات الأزمة، تهدد أنها لن تغادر مقر وزارة الخارجية إن لم يسمحوا لابنها بالدخول للبلاد، قالت إنهم رفضوا استقبال طلبها ولم يسمحوا لها بمقابلة المسؤولين! هكذا تُصاب المواطنة الكويتية المتزوجة من غير كويتي في مقتل! في أبنائها وزوجها أو أمها! في أسرتها التي قال عنها الدستور إنها نواة المجتمع! ولكن في حال المواطِنة لا يُعتد بأسرة ولا نواة إن لم ترتبط بذكر كويتي!

مطالبة المواطنة الكويتية بالجنسية لأبنائها لم تأتِ من جراء طمع أو جشع أو حبّاً في الرفاهية! هذه المطالبة جاءت بعد تاريخ طويل من التنكيل والاستهزاء والتهميش والتجاهل. لو كانت قوانين الدولة عادلة ومراعية لمواطناتها لوضعت على الأقل منظومة من القوانين الاستثنائية الواضحة غير القابلة للتلاعب والأهواء، حيث تضمن حياة كريمة لأبنائها وزوجها، إقامة دائمة لأبنائها وزوجها دون الحاجة للتجديد السنوي، عدم سقوط الإقامة في حالة الوجود خارج الكويت لأكثر من 6 شهور! التملك العقاري، التوظيف والتعليم العالي والعلاج بالخارج.

هذه القوانين يجب أن تُفرق بين الوافد وأبناء الكويتيات، لأن أبناءهن وأزواجهن ليسوا وافدين طالما أن هناك رابطة وطنية مدنية كاملة تربطهم بهذا البلد! هذا الظلم الذي مازال واقعا على رأس المواطنة حتى في أصعب الظروف، هذا التعسف والتهميش لابد له من زوال، فإن لم تهنأ أسرة المواطنة معها في بلادها، فكيف ستهنأ بنت البلد، وتستكين وترتاح؟