في الأسابيع الأخيرة، واجهت الحكومة التركية إدانة دولية بسبب طريقة تعاملها مع الإرث الثقافي التركي الفريد من نوعه، وفي بداية شهر يونيو الماضي، غمرت المياه المتصاعدة من سد جديد موقع «حسانكيف» الأثري، ما دفع صحيفة «نيويورك تايمز» إلى الإعلان عن اندثار الوادي القديم بسبب المشاريع المعاصرة.

وبعد وقتٍ قصير، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تحويل موقع «آيا صوفيا» في اسطنبول إلى مسجد مجدداً (كانت الكنيسة القديمة قد تحوّلت سابقاً إلى مسجد ثم متحف)، وعبّر النقاد عن قلقهم من معنى هذه الخطوة وتداعياتها على الفسيفساء البيزنطية التي تزيّن المبنى وسلّطوا الضوء على التكاليف المتزايدة لسياسات إردوغان الدينية والاستبدادية.

Ad

عملياً، يرحّب إردوغان بهذه الإدانة الدولية، فهو يستمد القوة من سجاله الدائم مع خصومه المحليين والخارجيين، وتسمح له الخلافات القائمة حول «حسانكيف» و»آيا صوفيا» بترسيخ مواقفه الهجومية. لم يعتبر إردوغان إعادة تحويل «آيا صوفيا» إلى مسجد مجرّد فِعْل تقوى أو خطوة لتصحيح ظلم تاريخي، بل وضع هذه المبادرة في خانة الدفاع عن سيادة تركيا. في ما يخص موقع «حسانكيف»، يظن إردوغان أن المنتقدين لا يعارضون بناء السد خوفاً على الإرث الثقافي أو البيئة بل لأنهم لا يريدون أن تزدهر تركيا.

في أعماق الحرب الثقافية التي يطلقها إردوغان، يشكّل الإيمان والنزعة القومية والتقدم المادي جزءاً من صراعه مع خصومه المحليين والخارجيين لكنها لعبة مُحصّلتها لا غالب ولا مغلوب. هذه الرؤية العالمية تترك صدىً قوياً لدى شريحة واسعة من الناخبين، لكنها لم تسهم فعلياً في تحسين الاقتصاد التركي المتدهور فيما يتخبط البلد في علاقاته مع الدول المجاورة له. تكشف نزعة الرئيس القتالية أنه معتاد على لوم القوى الخارجية والجهات الأجنبية على المشاكل المشتقة من إصراره على تحريض أعداء بلده.

حين أعلن إردوغان عن صفة «آيا صوفيا» الجديدة، اعتبر المبنى «إرثاً مشتركاً للبشرية»، لكنّ خطابه المتبقي كان أشبه بتحذير لكل من يفسّر هذه العبارة بمعناها الحرفي. أصرّ الرئيس التركي على اعتبار التشكيك بقرار تحويل «آيا صوفيا» هجوماً على حق تركيا بفرض سيادتها، ولا يختلف هذا الموقف برأيه عن التشكيك بِعَلَمها أو حتى حدودها. بعد بضعة أيام، ردّ على انتقادات الحكومتَين اليونانية والأميركية قائلاً إن موقفهما «اعتداء مباشر على سيادتنا».

اختار إردوغان تاريخاً له رمزية مهمة، في 24 يوليو، لإقامة أول صلاة رسمية في مسجد «آيا صوفيا» تأكيداً منه على دمجه المستجد بين الإيمان والسيادة التركية. وقّعت دول الحلفاء على معاهدة لوزان في اليوم نفسه من عام 1923، واعترفت بموجبها بنشوء جمهورية تركية مستقلة ومعاصرة بقيادة أتاتورك. لكن من خلال إقامة الصلاة في «آيا صوفيا» في هذا التاريخ، رفض إردوغان فحوى تلك الوثيقة وانقلب عليها. يحمل خطابه فكرة ضمنية مفادها أن العلمانية التي نشرها أتاتورك عكست نوعاً من الاحتلال الخارجي المستمر. بعبارة أخرى، كانت العلمانية برأي أتاتورك جزءاً لا يتجزأ من مساعي ترسيخ السيادة التركية، لكن بنظر إردوغان، تبقى هذه السيادة جزئية إلى أن يسترجع الدين مكانته الصحيحة.

حذّر إردوغان الدول المجاورة لتركيا في الماضي حين اعتبر سيادة بلده منقوصة، انتقد الرئيس التركي بنود معاهدة لوزان وتكلم في الوقت نفسه عن «الحدود الروحية» للسلطنة العثمانية ووصف مساحة واسعة من شرق البحر الأبيض المتوسط بعبارة «الوطن الأزرق»، تزامناً مع الانتشار العسكري التركي الحديث في بلدان مثل ليبيا وسورية، أدى هذا الخطاب إلى تعميق اصطفاف بعض البلدان الإقليمية ضد أنقرة، بما في ذلك قبرص، ومصر، واليونان، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. في المقابل، رسّخ هذا الاصطفاف قناعة أنقرة بضرورة الدفاع عن السيادة التركية ضد محاصريها العدائيين.

قد تكون قضية «حسانكيف» أقل شهرة من «آيا صوفيا»، لكنها تكشف معطيات مهمة بالقدر نفسه عن سياسة إردوغان القتالية. يقع موقع «حسانكيف» على طول نهر دجلة ويقدّم لزواره مناظر مدهشة من المساجد والمقابر والتحصينات ومعالم معمارية أخرى بَنَتها مجموعة من الإمبراطوريات على مر آلاف السنين من الاستعمار البشري المتواصل. تصاعدت الانتقادات ضد مشروع السد بعد ارتفاع مستوى مياه الفيضانات في السنوات الأخيرة، لكن كانت أنقرة تردّ دوماً بالتعبير عن إصرارها على المضي قدماً في المشروع.

لطالما أدت مشاريع السدود إلى تهجير الناس وتضرر البيئة، لكنها ترمز منذ عقود إلى خطط التنمية وإرساء الديمقراطية، أقدمت أول حكومة مُنتَخبة في تركيا على بناء السدود وحصلت على دعم المستشارين الأميركيين في بداية الحرب الباردة. زار الرئيس التركي جلال بيار سد «هوفر» عام 1954 ودرس رئيس الوزراء المستقبلي سليمان ديميريل الهندسة الهيدروليكية بفضل منحة من مؤسسة الرئيس آيزنهاور في الولايات المتحدة. في زمنٍ اعتبر فيه عدد كبير من الأميركيين «هيئة وادي تينيسي» مثالاً نموذجياً لالتزام الرئيس فرانكلين روزفلت بتنمية الأرياف، عمد السياسيون الأتراك أيضاً إلى بناء السدود للفوز بأصوات سكان القرى لأنهم كانوا بأمسّ الحاجة إلى مشاريع الري والكهرباء.

كان السد الذي غَمَر موقع «حسانكيف» جزءاً من مشروع جنوب شرق الأناضول، وهو عبارة عن مخطط قائم منذ عقود ويتمنى المسؤولون الأتراك بفضله أن يخففوا عدائية الحركة الانفصالية الكردية عبر تطوير المنطقة التي يعيش فيها معظم الأكراد. كانت هذه المقاربة أكثر سلمية طبعاً من حملة القمع العنيفة التي أطلقتها الحكومة ضد المتمردين الأكراد، لكنها تهدف في الوقت نفسه إلى استعمال عامل الازدهار كأداة لحرمانهم من حقوقهم الثقافية واللغوية. منذ وصول إردوغان إلى السلطة عام 2002، تكلم هو وحزبه عن الفوز بتأييد الناخبين الأكراد بفضل سياسة التنمية. لكن تبيّن أن هذا الخطاب فارغ المضمون في السنوات الأربع الأخيرة، فقد أقدم إردوغان على اعتقال النواب الأكراد بطريقة منهجية واستبدل رؤساء البلديات الأكراد المُنتَخبين بمسؤولين آخرين اختارتهم الحكومة.

في السنوات الأخيرة تعرّضت السدود الكبرى، على غرار السد في موقع «حسانكيف»، لانتقادات كثيرة من جانب الليبراليين والناشطين البيئيين الأتراك، فهم يشككون بمنافعها العملية ولا يتوقعون أن تفيد من تهجّروا بسببها. ردّ إردوغان بأسلوب عدائي، فاعتقلت السلطات صحفياً أجنبياً كان يزور «حسانكيف» ومحتجّين من الناشطين البيئيين واعتبرت أي معارضين للمشروع إرهابيين وعملاء للخارج.

وعلى غرار مشاريع تنموية كثيرة أخرى، زادت أهمية السد نظراً إلى ما يمثّله أكثر من إنجازاته الفعلية، وقد نفّذ إردوغان مشاريع بناء ضخمة، منها تشييد أكبر مطار في العالم في اسطنبول وحفر قناة تربط البحر الأسود ببحر مرمرة، لإثبات قوة تركيا مع أن منافع تلك المشاريع لم تتضح بالكامل بعد. يأمل إردوغان أن تسمح القوة الرمزية لهذه المشاريع (أي إثبات نفوذ تركيا واستقلاليتها على الساحة الدولية) بتجاوز الجدل القائم حول تكاليفها. اشتكى النقاد مثلاً من كلفة مطار اسطنبول الجديد وأمانه لكنّ الصحافة الموالية للحكومة بذلت قصارى جهدها لإثبات سوء تقدير هؤلاء النقاد، فذكرت إحدى المقالات قبل افتتاح المطار عام 2018، أن «المشروع الذي ما كان ليبصر النور برأيهم سيتم افتتاحه بشكلٍ رسمي غداً».

أثبت خطاب إردوغان الهجومي فاعليته جزئياً بسبب نجاحه في اختيار المعارك التي تفيده ثم خوضها حتى النهاية. حين سُئل زعيم معارض قومي بارز عن تحويل «آيا صوفيا» إلى مسجد، اعترف بأنه فوجئ بهذه الخطوة، وأضاف: «إنها المرة الأولى التي أخطئ فيها في توقعاتي. كنت أظن أن إردوغان لن يفتح «آيا صوفيا» يوماً لإقامة الصلاة فيها... لكني كنتُ مخطئاً. ليكن خيراً! أهنئ السيد إردوغان». يقول الخصوم دوماً إن مبادرات إردوغان استعراضية بكل بساطة وهي جزء من محاولات خبيثة لكسب أصوات الناس، لكن الرئيس يحظى دوماً بالدعم الشعبي لأنه ينفذ أقواله في معظم الأوقات. عام 2019 مثلاً، لم يتوقع منتقدو إردوغان محلياً ودولياً أن يمضي قدماً في خطة شراء الصواريخ الدفاعية الجوية الروسية، فافترضوا أنه سيرضخ للضغوط الأميركية في نهاية المطاف. يتساءل النقاد حتى الآن عن المغزى من شراء نظام أسلحة بقيمة 2.5 مليار دولار ووضعه جانباً في أحد المستودعات والمجازفة بمواجهة عقوبات أميركية واستحالة استعماله كي تدافع تركيا عن نفسها ضد الاعتداءات الروسية (على غرار الضربات الجوية التي أسفرت عن مقتل 33 جندياً تركياً في إدلب خلال الربيع الماضي). لكنّ إصرار إردوغان على تحدي التوقعات جعل قرار الشراء أشبه بانتصار له، حتى بنظر منتقديه.

لكن إلى متى ستبقى هذه الانتصارات كافية برأي الناخبين الأتراك وما الذي سيفعله إردوغان إذا لم تعد كافية؟ بدأ الاقتصاد التركي يتصدّع والأسعار تتصاعد والعملة المحلية تضعف. نجح إردوغان حتى الآن في الحفاظ على أغلبيته الضيّقة عبر فرض رقابة على خصومه واعتقالهم، تزامناً مع إعادة صياغة القوانين الانتخابية بما يصبّ في مصلحته الخاصة، لكن إذا بدأت القاعدة الداعمة له تتلاشى بالسرعة التي تكشفها استطلاعات الرأي، فحتى هذه التدابير غير الديمقراطية قد لا تعود كافية. من المنتظر أن تحصل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 2023. خلال السنوات المقبلة، سيشهد الناخبون حتماً على ظهور عدد إضافي من المساجد والمشاريع الضخمة، ولن ينتهي التوتر في شرق البحر الأبيض المتوسط، لكنهم سيضطرون في تلك المرحلة لاتخاذ قرارهم حول اعتبار تلك المعارك مصدراً لمشاكلهم أو حلاً لها.

* نيك دانفورث