أحد جدران مكتبي عبارة عن واجهة زجاجية مطلّة على أفق واسع من الكويت، على أطراف حَولّي القريبة من البحر وإطلالة على قصر كبير ذي سقف أخضر مجاور لمتحف حديث ذي بنيان فاره. عمارات مصفوفة بإتقان تتفاوت بالطول والشكل لكنها على الرغم من الاختلاف تُشكل منظراً أفقياً متآلفاً، أمامها مجموعة من البيوت المطلّة على شارع رئيس مازال قيد الإنشاء. التفاتة صغيرة إلى اليسار ستسفر عن أبراج الكويت التي صادف ألا يحجبها عن نافذتي الكبيرة مبنى ولا عمران! قابعة في بقعتها راسخة، شامخة وأبية، بعدها تصطف لآلئ سبحة مدينة الكويت وبنيانها المتعرج على صدر السماء، شطحات هندسية عالية الطول هنا وهناك تجذب النظر اليها مثل برج الحمرا والتجارية وكيبكو والمباني الفارهة الجديدة للبنوك الكويتية العريقة والبنك المركزي.

من يعمل في البقعة الممتدة على ضفاف شرق، المرقاب وبنيد القار يعرف ويعي مدى ندرة هذه المنطقة وخصوصيتها، الشريان الرئيس للمشهد المالي والاقتصادي في الكويت، جسد تاريخي عريق يضم بين ذراعيه الأفرع الرئيسة لأكبر البنوك المحلية بالإضافة الى البورصة والمقاصة وشركات التأمين والاستثمار ومكاتب تايكونات المال والأعمال في الكويت. الجميل في هذا الجسد الضارب في القدم ذي التاريخ التقليدي العريق المنقوع بماء الجاه والوجاهة أنه أيضا وبظرف عشر سنوات متتابعة وسريعة فتح أبوابه ودكاكينه وعماراته لكل ما هو صغير، جديد وحالم! لم يترك للعِرق التقليدي مجالاً للتعنتر والتعنت بوجه الحداثة والتغيير لكل ما هو خارج إطار المألوف وما جرت عليه العادة. ربما لأن المنطقة منذ بدايتها قد شهدت وتبنت طبيعة متناقضة ومتنافرة ولكنها متآلفة بشكل كبير، فعلى الرغم من ثِقل المنطقة وما كان يعوّل عليها من دور اقتصادي ستؤديه في البلاد فإنها بُنيت على أكتاف محلات المأكولات الخفيفة، والأقمشة والسلع الرخيصة. المباركية وحدها عنصر كفيل بكف جذور العنجهية والغرور من التغلغل في صدر العاصمة، أدى ذلك المكان دورا مهما في إبقاء النقاء الكويتي الأصيل والطُهر الروحي لزمن ما قبل البترول مضرجا أرض العاصمة وترابها. في المدينة اليوم من الصالحية الى القصر مرورا بالبحر وانتهاء بالمربع الذهبي عند دروازة العبدالرزاق ما يقارب الستة آلاف عمل ومشروع صغير، أغلبها، إن لم تكن جميعها، بني على أيدي بنات الكويت وشبابها، أسماء المحلات والشركات والمطاعم والكافيهات لم تكن يوما لتخطر في مخيلة رجالات الأعمال الأولين. هناك خدمات حديثة جدا وحلول كانت ضربا من الخيال، مأكولات ومشروبات لو أخبروهم بها لاعتبروها نكتة يتناقلونها في دواوينهم ويضحكون عليها بلا توقف، هذا الامتزاج والتعايش، وقدرة الصغير على مجاورة الكبير، وانفتاح القديم على حداثة الجديد يمثل بالنسبة إلي فحوى الكويت وعمقها الوجداني، هذه الطاقة الشبابية الهائلة، المتعلمة المسافرة المثقفة المطلعة على دهاليز العالم والعائدة بحُلم قابل للتحقيق هي مستقبل الكويت لا سواها. فافتحوا أعينكم على هذه الثروة، ولتكونوا تماما بنقاء المرقاب وانفتاح شرق، وطيبة بنيد القار!
Ad