أعدّ الكاتب حسن الموسوي دراسة مفصلة عن الأزمة المالية للدولة، بدأها بآيات من سورة يوسف تتحدث عن سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، معتبراً إياها خريطة طريق لاستثمار الثروة على عكس ما فعلناه كدولة في السنوات السابقة من انفلات مالي؛ لأن الكل كان يعيش سكرة الإنفاق. وإليكم ملخص الدراسة:

Ad

أولاً: جذور الأزمة المالية

ولادة الدستور لم تكن نتيجة لإيمان بالديمقراطية، لكن لظروف إقليمية ودولية فرضت إعطاء الشعب دوراً في الحكم. ولم تكن أطراف نافذة في الحكم راضية عن ذلك، فقاموا بعدة خطوات مضادة أبرزها تزوير انتخابات 67 والتلاعب بكشوف ناخبي 71. ولكن أبرز خطوات الهجمة المضادة كانت تضخيم القطاع العام للتحكم في خيوط اللعبة والاقتصاد واستخدام الوظائف للتهديد والترغيب.

ثانيا: الآثار

خطوة تضخيم القطاع العام كانت لها آثار مدمرة:

1- تأصيل الثقافة الريعية باعتماد الدولة على مصدر وحيد للدخل.

2- خلل مستمر ومزمن في التركيبة السكانية والتكلفة المالية الكبيرة المصاحبة لها.

3- زيادة البيروقراطية الحكومية لإيجاد وظائف للمواطنين، مما زاد من الفساد.

4- قتل طموح الشباب بالوظيفة الحكومية بدلاً من تشجيعهم على العمل الحر.

5- خلق أجيال اتكالية على غيرها من الجنسيات.

6- عدم جدية في رسم خطط التنمية المستدامة.

7- تعمق الخلافات بين أقطاب الأسرة الحاكمة وانتقال ذلك إلى الشعب.

هذه الظواهر السلبية تأصّلت واستفحلت تدريجياً في المجتمع، لكن الانفلات المالي المصاحب لها تصاعد جنونياً مع بداية إقرار الكوادر عشوائياً، حتى وجدنا أنفسنا اليوم على مفترق طرق، فإيرادات النفط لا تغطي حتى نصف ميزانيتنا، والاحتياطي العام شارف على النفاد. وإذا استمر القطاع العام على حاله، فإن ذلك سيؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى انخفاض قيمة الدينار.

فالنموذج الريعي للدولة غير مستدام، ولا يمكن إصلاحه؛ لأنه البيئة الحاضنة للفساد، ونحتاج إلى إصلاح جذري يغير نظام الدولة كله ليكون دور الحكومة مقتصراً على التنظيم لا إدارة الاقتصاد، فأمامنا تقريبا 400 ألف مواطن سيدخلون سوق العمل خلال العشرين سنة المقبلة، فأين سيتم توظيفهم والقطاع العام أصلاً متضخم حالياً بأكثر من ثلاثة أضعاف الحاجة؟!

ومن الضروري أن يصاحب ذلك التغيير الجذري تحقيق أكبر للعدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس، لأنه حسب دراسة أكاديمية بريطانية يكون مقدار تقدم أو تدهور الدول في عدة مجالات مثل التعليم والصحة العامة والصحة النفسية ونسبة الجريمة وتعاطي المخدرات والثقة بين الناس والحراك الاجتماعي، يعتمد على مقدار تحقق العدالة والمساواة في المجتمع، والتي تعتبر مفقودة في مجتمعنا سواء بين المواطنين أنفسهم أو بين المواطنين والمقيمين.

ثالثاً: الحلول العملية

1- التركيبة السكانية وسوق العمل

الحديث عن إصلاح التركيبة السكانية ليس نابعاً من كره للوافدين، بل لأن النموذج الحالي غير مستدام. ولتحقيق هذا الإصلاح يجب التركيز على توجيه العمالة الوطنية للعمل الحر والقطاع الخاص مع تخفيض حجم القطاع العام، وهذا يتحقق عبر الخطوات التالية:

• تطبيق نظام الراتب الأساسي لكل مواطن (Universal Basic Income).

• تطبيق ضرائب على الشركات حسب حجم توظيفها للمواطنين، فكلما زاد توظيفها للكويتيين قلت الضرائب.

• حصر تقديم بعض الخدمات والأنشطة على الكويتيين الحرفيين عن طريق المشاريع الصغيرة، وتسهيل منح الأراضي لهم.

• تحويل وزارات الدولة لمؤسسات مستقلة وتحاسب على مدى كفاءتها ضمن معايير من بينها عدد الموظفين وسهولة إنجاز المعاملات حتى يتم ترشيقها من التضخم الوظيفي، وإلغاء ديوان الخدمة المدنية وتحويله إلى إدارة تابعة لمجلس الوزراء تضع أطراً وسياسات عامة للتوظيف والترقية والرواتب.

2- الخصخصة

التوسع في سياسة خصخصة الخدمات مثل التعاونيات والبريد والخطوط الهاتفية الأرضية والنقل العام والمشروعات السياحية، ولكن بطريقة ذكية تحفظ حقوق المواطنين، ويكون ذلك عبر تطبيق فكرة رخصة الاتصالات الثالثة، التي اكتتب فيها المواطنون بالقيمة الاسمية للسهم (100 فلس)، بينما دفعت الشركة الفائزة بالمزايدة دينارين للسهم الواحد، مع إمكانية اكتتاب الحكومة عن المواطنين بنصف أسهمهم لكن شرط أن تكون غير قابلة للبيع. وكذلك خصخصة الأندية الرياضية وتخصيص إيراد بيع هذه الأصول لإنشاء صندوق استثماري تصرف عوائده كجوائز على المسابقات، مع تطبيق الاحتراف الكلي.

3- ترشيد الدعوم

إعادة النظر في أسعار الخدمات المدعومة من أجل التشجيع على الترشيد لا تحصيل إيرادات أكثر مع تطبيق شرائح استهلاك يقل فيها الدعم مع ارتفاع الاستهلاك، لأن النموذج الحالي في الدعم يفيد الأغنياء.

4- الإسكان

مشكلة الإسكان أكثر مشكلة تؤرق الشباب الكويتيين وأدت إلى عزوفهم عن العمل الحر والخاص، وارتباطهم بالوظيفة الحكومية ومطالبتهم بمزيد من الكوادر، وحل ذلك يأتي عبر:

• سن قوانين تحد من امتلاك المواطن لأكثر من مساحة إجمالية معينة في العقار السكني لمكافحة الاحتكار والمضاربة وتحول العقار السكني إلى استثماري.

• التوسع في توفير الأراضي، وفتح الباب للمطورين العقاريين للقيام بإعمارها وبيعها بأسعار معقولة للمواطن مباشرة.

5- الصحة

وزارة الصحة لم يعد بمقدورها إدارة نظام صحي يزداد تضخما بالطريقة المركزية البيروقراطية، وتعدد الأنظمة الصحية مكلف وسلبياته كثيرة. والحل باتباع نظام شبيه بالنظام الكندي، حيث تتحول المستشفيات إلى هيئات مستقلة، بينما يكون دور الحكومة هو مثل دور شركة التأمين، أي ممول لهذه الخدمات ومنظم لها دون الدخول في الإدارة. هذا التغيير سيرشق وزارة الصحة، ويوحد النظام الصحي ويخفف تكاليفه، ويسهل عمليات توريد المستلزمات الطبية، ويعطي الطبيب المتميز ما يستحق من راتب، ويجلب الخبرات الأجنبية، ويقلص ميزانية العلاج بالخارج.

6- التعليم

أصل تردي التعليم هي ثقافة الريع، إذ وجدت دراسة أن هناك علاقة عكسية قوية بين درجات الطلبة ومقدار إيراد دولتهم من الثروات الطبيعية، أي كلما زاد الاعتماد على النفط في ميزانية الدولة ضعفت مستويات طلبتها ومهاراتهم.

وهناك مشاكل تنظيمية منها عدم العدالة في الرواتب بين المعلم المواطن والمعلم المقيم، ومركزية إدارة الوزارة لكل المدراس، مما أفقد المنافسة وأدى إلى بلوغ العائد على التعليم فقط 20 سنتا مقابل كل دولار ينفق. هذا النظام البيروقراطي انتهت صلاحيته، وقد رأينا في أزمة "كورونا" كيف أن المدارس الخاصة تحولت سريعاً للتعليم الإلكتروني، بينما وقفت وزارة التربية عاجزة عن التصرف بسرعة.

والحل باتباع نظام لا مركزي شبيه بالنظام القطري عبر جعل المدارس تدار برخص مستقلة، وتكون مسؤولة عن التوظيف، وتمنح مرونة في المناهج، مما أوجد منافسة وتطورا وجعل قطر في مصاف الدول المتقدمة في جودة التعليم. وكذلك توظيف خريجي الكليات العلمية معلمين ورفع نسب القبول في الكليات الصانعة للمعلمين.

7- التعليم العالي

التوسع في إنشاء الجامعات خطأ، ويجب تشجيع الشباب على التخصصات الحرفية، لأنه لا يوجد سوق عمل للكم الهائل من خريجي الجامعات. وتسييس الجامعة و"التطبيقي" أدى إلى قرارات مدمرة مثل التوسع في قبول الطلبة واستمرار الضخ في تخصصات لا حاجة لها مثل الشريعة، بينما هناك نقص في التخصصات العلمية.

الحل باستقلالية الجامعة و"التطبيقي" وتسليمهما لجهات أكاديمية مرموقة للإشراف عليهما مع إعطائهم الصلاحية الكاملة في التحكم بأعداد المقبولين سنوياً وبالتعيينات وإلغاء أو إضافة الكليات والتخصصات. ويجب تغيير سياسة البعثات، وذلك بمنحها فقط لمن يحصل على قبول في أحد أفضل 100 جامعة في العالم بأي تخصص.

8- تصفير المشاكل المزمنة

• حل مأساة البدون حلاً نهائياً شاملاً إنسانياً واعتبارهم ثروة قومية وإضافة للاقتصاد الوطني.

• إلغاء نظام الكفيل ومنح إقامة دائمة لبعض الفئات، مثل من ولد في الكويت وأقام مدة معينة فيها.

• الاهتمام بمشاكل المرأة الكويتية التي يجب ألا تشعر بأنها غريبة في وطنها، وإعطاؤها حق منح الجنسية لأبنائها.

وختم الموسوي دراسته برسالة إلى سمو رئيس الوزراء دعاه إلى مصارحة الشعب بأن القطاع العام المتضخم لم يعد قابلاً للاستمرار، وللتوسع في الخصخصة الذكية، ولتشكيل حكومة من وزراء أكفاء تجمعهم رؤية واضحة لا موظفين كبار، وتغيير شامل في قيادات الدولة، ومعالجة ملفات الفساد الكبيرة مثل الرشاوى وتجار الإقامات والتوزيعات الفاسدة للحيازات الزراعية، واحتلال الشاليهات للساحل الجنوبي حتى يكسب ثقة الشعب.

ويمكن الاطلاع على الدراسة كاملة عبر الرابط التالي

https://jrd.ai/hmswi