الفنان سلمان زيمان بالإضافة إلى كونه فناناً مخضرماً معروفاً على الساحة الغنائية البحرينية والخليجية على حد السواء، منذ سبعينيات القرن الماضي، فإنه أيضاً الفنان الحكيم.

سلمان زيمان هو الأب الروحي لفرقة "أجراس" وكانت بداية معرفتي به من خلالها، فكانت سعادتي لا توصف وأنا ألتقي به للمرة الأولى، ثم سعادتي أكبر وأنا أصاحِبه بالعزف في أغانيه مع الفرقة، أما أغنية "أبوالفعايل" الأيقونة وهي الحدث الأهم فطالما غدت مسك ختام حفلات فرقة "أجراس" ومبتغى جمهورها العريض، ولكونها تبدأ بالزغردة على آلة الفلوت فكان هذا بمثابة تتويج لي كعازف فلوت له أثره في هذه الفرقة، بالرغم من أني كنت حينها في السنة الأولى للمرحلة العالية (1992)، عندما ظهرت معهم في ثاني مهرجان غنائي للفرقة، ولقائي الأكثر أثراً وعمقاً معه والذي طالما ظل يذكرني به في كل لقاء أو حوار حتى وإن كان عن بعد هو مصاحبتي له في أغنية "دمع الدفاتر حبر"، حيث قمت بأداء صولو الفلوت في تلك الأغنية.

Ad

ما يمتاز به الفنان سلمان زيمان هو روحه الحماسية التواقة للنشاط والتي لا تقف عنده، ولكنه يبثها في نفوس الآخرين ممن حوله، فتراه دائم الثناء والإطراء للآخرين في تجاربهم الفنية الأولى، وفي أي مبادرة أو حركة موسيقية يقومون بها، ولا يتردد أبداً أن يكون شريكاً معهم في صنع هذا الحدث.

ما زلت أتذكر كيف شارك مجموعة من الشباب الموسيقين الموهوبين الواعدين في ذلك الوقت في فعالية من أجل فلسطين التي نظمها نادي "باربار" في صالة نادي طيران الخليج سنة 1999، وذلك تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وكان بعض هؤلاء الشباب الواعدين هواة حينها، وأصبح بعضهم نجوماً الآن، لقد كان وقوف الفنان سلمان زيمان بيننا بمثابة العمود الفقري لنجاح هذه الفعالية، والتي بالفعل أثبتت نجاحها من خلال الحضور الجماهيري اللافت الذي ملأ المكان.

صادفتني مع أبي سلام مواقف كثيرة لا تعد ولا تحصى، وسأسعى جاهدا إلى ذكر بعضها في هذه الشهادة:

بعد تخرجي سنة 1996 وعملي كمدرس للموسيقى كان أحد أهم محطاتي التي أتوق لزيارتها في ذلك الحين للتنفيس عن الإحباطات التي أواجهها هو محل (أجراس) بشارع القصر القديم بالقضيبية، وفي إحدى المرات وفي خضم تبادل أطراف الحديث، حيث كان دائم السؤال عن نشاطاتي الموسيقية أخبرته عن موضوع الدورة الموسيقية التي تلقيت دعوة لحضورها في إنكلترا، لكن ظروفي المادية تقف حائلاً أمام ذلك، فما كان منه إلا أن اقترح علي أن أتقدم بخطاب إلى إدارة الثقافة والفنون، ثم أرفقها بتلك الدعوة، وأردف قائلاً: "لن تخسر شيئاً"، لم أتردد أبداً في تنفيذ مقترحه، وبالفعل كانت رؤيته في مكانها وتمكنت من حضور تلك الدورة، وأشهد كم أن لهذه الدورة من أثرٍ كبيرٍ في مسيرتي الفنية لاحقاً، وكان مفتاح هذا المفترق سببه أبوسلام.

موقف آخر وكان نتيجة زيارتي له أيضاً في ذاك المكان نفسه، وبعد أعوام من ذلك الوقت، وكان في سياق سيرة الإحباطات التي تواجهني مقابل حماستي لتقديم نشاطاتي الموسيقية، وسبب ذلك التصرفات الشخصية والمضايقات التي ألقاها من البعض لإعاقتي عن تقديم أمسية موسيقية كنت أنوي القيام بها في ذلك الوقت، فما كان منه إلا أن بادرني بالقول: "أنا سأقوم بدعم وتنظيم هذه الأمسية"، وبالفعل فقد أثمرت مجهوداته بإقامة الأمسية الموسيقية "ذكريات دلمونية" بفندق الدبلومات في 30 نوفمبر1999.

ثمة حكمة أخرى قالها لي ذات مرة وما زلت أتذكرها وأتبعها وهي قوله: "إذا أردت أن توصل رأيك أو مشكلتك إلى مسؤول، فاكتب له خطاباً يلخص له الأمر، وابتعد عن الحديث الشفهي، فالكلام المكتوب أثره أقوى وأبقى". وأمانةً ما زلت أعمل بتلك النصيحة.

مازال أبوسلام الحكيم هو مصدر الطاقة المحركة لأي نشاط أقوم به مهما كان بسيطاً، ولتشجيعه هذا أثر كبير في نفسي، فهو يشعرني بكل صدق بحرصه الشديد على نجاحي كما لو أنني ابنٌ من أبنائه.

هذه الحكمة التي يمتلكها هذا الفنان الفذ والتي قد لا يراها الكثيرون، بكلِ أمانةٍ شاهدته دائماً يسعى إلى تحفيز جيل الشباب للعمل الدؤوب لأجل تنشيط الحركة الموسيقية في البحرين والخليج.