وصل وزير خارجية إيران جواد ظريف إلى بغداد أمس، قبل يومين فقط من زيارة رئيس حكومة العراق إلى طهران، كاسراً بذلك البروتوكول المعتاد ومثيراً تساؤلات كثيرة حول ما وصف بأنه «استطلاع إيراني عاجل» لقواعد كثيرة تغيرت في سياسة الجار الغربي داخلياً وإقليمياً، خصوصاً مع امتناع بغداد عن جعل زيارة حكومتها للرياض تأتي لاحقاً بعد الزيارة المقررة لطهران.

وسيكون الكاظمي في الرياض نهار غد، ثم يجري لقاءاته في طهران ليل اليوم ذاته، على خلاف العرف المتّبع منذ سنوات طويلة.

Ad

وذكرت المصادر المحيطة بالحكومة العراقية، أن ظريف الذي لم يستطع تبرير التوقيت الغريب لزيارته البغدادية، حظي باستقبال جيد لأن وجوده يلبي رغبة قديمة لدى التيار الموصوف بالاعتدال في العراق الذي يطالب بان يكون الارتباط مع إيران عبر الخارجية بعيداً عن حرس الثورة الإيراني الذي تولى طوال ١٧عاماً مضت، إدارة الملف العراقي بكل ما حملت من مشاكل عميقة.

ويقول العراقيون، إنهم يجدون تفهماً أكبر عند الحوار مع فريق الرئيس الإيراني حسن روحاني، بينما ينزعجون من تصرفات ضباط حرس الثورة التي تركز على استغلال الميليشيات العراقية في تعاملها مع بغداد.

ورغم ذلك فقد زخرت وسائل التواصل الاجتماعي بعبارات غير ترحيبية بالزائر الإيراني واستخدم المدونون القريبين من حركة الاحتجاج العراقية تعبيراً شهيراً مناهضاً لنفوذ طهران «إيران برا برا، بغداد تبقى حرة» في إشارة إلى أن احتجاجاتهم مثلت صعوداً لافتاً للمشاعر الوطنية تتمسك بالحياد في الأزمة بين طهران وواشنطن وترفض بقاء العراق ميداناً لتسوية الحسابات.

وبدأ ظريف زيارته بالتوقف أمام نصب تذكاري قرب بوابة مطار العاصمة، يوثق الغارة الأميركية التي قتلت قائد حرس الثورة الإيراني قاسم سليماني مطلع العام الحالي، لكن المواجهة القائمة بين حكومة الكاظمي والميليشيات العراقية الموالية لإيران كانت حسب المصادر المقربة، على رأس النقاشات مع ظريف.

وتذكر المصادر، أن الجانب العراقي أبلغ ظريف بأن الرأي العام الغالب في العراق يريد من الحكومة استعادة السيادة وضبط السلاح، ولا يمكن لبغداد أن تتفهم استمرار الفصائل بتحدي الدولة وهي ترفع صور المرشد علي خامنئي وتحظى بدعم من حرس الثورة الإيراني.

وتضيف أن الجانب العراقي أبلغ ظريف بأن هذا الأمر بات محرجاً إلى درجة كبيرة أمام الشعب وحركة الاحتجاجات الغاضبة التي أطاحت رئيس الحكومة السابق عادل عبدالمهدي، الذي حاول أن يكون أقرب إلى إيران اكثر مما ينبغي حسب الوصف الرائج في العراق.

وذكرت مصادر شيعية أن الكاظمي أبلغ ظريف في اللقاء الذي استمر نصف ساعة أن المجتمع الشيعي في العراق يرفض ان يكون ضحية لعقوبات غربية جديدة بسبب تنازلات أمنية واقتصادية تقدمها بغداد لدعم إيران، وأن فاعلين شيعة مهمين يقولون إنه وبالمنطق الطائفي نفسه، يجب أن يبقى المجتمع الشيعي في العراق «واقفاً على قدميه» وألا يسقط مع إيران وحزب الله اللبناني في المواجهة الخاسرة مع الغرب، واستخدمت المصادر عبارة تفيد بأنه «يجب على بعض الشيعة ألا يسقطوا، وعلى إيران أن تفهم ضرورة ذلك».

وتأتي زيارة ظريف قبل يومين من محادثات توصف بالمهمة ستجريها حكومة العراق في الرياض، وأيضاً وسط حملة تقودها قوات النخبة العراقية لضبط الحدود مع إيران وسورية، ما يثير قلقاً في طهران من انقطاع طريق طهران دمشق، الذي بقي فعّالاً منذ الحرب مع تنظيم داعش عام 2014 حتى الآن.

وكان الكاظمي، شدد خلال استقباله الوزير الإيراني على أن «العراق يسعى إلى تأكيد دوره المتوازن والإيجابي في صناعة السلام والتقدم في المنطقة، بما ينعكس إيجاباً على كل شعوبها بالمزيد من الاستقرار والرفاه والتنمية المستدامة».

بدوره ، تحدث ظريف عن «بدء مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين» مشيراً إلى مساعي لـ «تفعيل الاتفاقيات في مختلف القطاعات».

ظريف وحسين

وقبل لقاء الكاظمي عقد ظريف مباحثات مع نظيره العراقي فؤاد حسين شدد خلالها على ترحيب بلاده بدور بغداد في منطقة الخليج وبناء علاقات ثنائية في إطار «عدم التدخل بالشؤون الداخلية».

وفي وقت تخطو حكومة الكاظمي باتجاه عقد اتفاقية للربط الكهربائي مع دول مجلس «التعاون الخليجي» تمكنها من تقليل الاعتماد على إمدادات الطاقة التي تستوردها من طهران لتفادي العقوبات والضغوط الأميركية، شدد ظريف على أن «العلاقات الجيدة مع العراق على مستوى الطاقة ستستمر وعلينا بناء علاقات في مجالات الطاقة والتجارة وتوسيع خططنا في مجالات الربط السككي والسياحة الدينية والعلاجية، والتبادل التجاري الذي نطمح إلى أن يصل إلى 20 مليار دولار سنوياً».

بدوره، أكد حسين أن «قوة العراق تعني قوة المنطقة ونريد علاقات متوازنة مع جميع دول الجوار وفق المصلحة الوطنية العراقية وعدم التدخل بالشؤون الداخلية».

ولاحقاً، عقد ظريف مباحثات مع رئيس الجمهورية برهم صالح، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي ورئيس «هيئة الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس تحالف «الفتح» هادي العامري ورئيس «تيار الحكمة» عمار الحكيم ثم توجه إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان.

استهداف السفارة

وفي حادث لافت، سقطت ثلاثة صواريخ «كاتيوشا» استهدفت السفارة الأميركية بساحة فارغة في المنطقة الخضراء التي تضم مقرات حكومية ودبلوماسية بعد دقائق من مغادرة ظريف لها.

خامنئي يمانع

إلى ذلك، أكد مصدر في مكتب المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي لـ «الجريدة» أنه لم يحدد بعد أي موعد للقاء الكاظمي مع خامنئي على عكس ما أعلنته بغداد.

وأشار المصدر، إلى أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف اتصل مراراً بمكتب المرشد أمس، لتأكيد لقاء الكاظمي مع خامنئي وجدولة اللقاء لإبلاغ الجانب العراقي بالتفاصيل خلال زيارته إلى بغداد، لكن حتى لحظة كتابة الخبر رفض المكتب تحديد أي موعد.

وكشف المصدر، أن الذريعة التي قدمها المكتب هي أن المرشد أوقف معظم لقاءاته بسبب كورونا، وأنه لم يلتق حتى بكبار الشخصيات الإيرانية منذ مدة.

وأضاف أن هناك داخل مكتب المرشد أشخاصاً يصرون على ضرورة عدم استقبال الكاظمي من خامنئي بسبب قوله إنه يفضل أن تكون العلاقات بين البلدين بروتوكولية، وبروتوكولياً يجب استقباله من الرئيس حسن روحاني ولا داعي للقاء المرشد.

وأضاف المصدر أن خامنئي ينتظر التقرير الذي سوف يعود به ظريف عن لقائه مع الكاظمي والمسؤولين العراقيين وحلفاء إيران في بغداد لاتخاذ قرار.

ويبدو أن الآية انقلبت بين خامنئي والمرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني. فقد درجت العادة أن يطلب المسؤولون الإيرانيون الذين يزورون بغداد لقاء السيستاني الذي غالبا ما كان يرفض هذه اللقاءات، بينما كان خامنئي حريصاً على استقبال المسؤولين العراقيين.